أفكار ومواقف

“.. ولا يزالون مختلفين..”،،،

الخلاف يعني النزاع، والاختلاف يعني التنوع، قال تعالى: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ”، وبهذا المعنى فإن الاختلاف رحمة ونعمة، والخلاف نقمة وغمة تلحق بالمجتمع وبالناس فتتركهم أحزابا متناحرة تذهب ريحهم. والخلاف لا يقتصر على النزاع والسجال العلني ولكن أخطره ذلك الذي تضمره الضمائر والقلوب، الذي يقسم الناس إلى معسكرين أو أكثر يرى كل منهم في الآخر خصماً رغم ما يدعيه الطرفان من وحدة الهدف والمصير، وهو المعنى الذي ورد في الآيه الكريمة: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ).
والحقيقة أن تاريخ الشعوب هو اختلاف مستمر وحروب طاحنة وهذا الخلاف الأزلي المستمر قام على عنصر واحد هو الصراع على الثروة وما تحتاجه الثروة من سلطة لامتلاكها والحفاظ عليها وهذا السبب عابر للشعوب والقارات والحضارات، فإن بحثت في تاريخ الأصناف البشرية المعرفة والمصنفة علميا فإنك لن تجد اي صنف بشري يخرج عن هذا السلوك المحتوم في الخلاف على الثروة وما تقتضيه من سلطة لامتلاكها والحفاظ عليها.
السلطة باعتبارها القدرة والقوة اللازمة للتغلب على الخصم تحتاج إلى جموع بشرية لنصرة تلك الحرب المستعرة على الثروة، ولأن الحرب تحتاج إلى هذه الجموع بعناصرها المادية والمعنوية كافة، فقد ظهرت الحاجة لاختراع أدوات لحشد الجموع البشرية اللازمة للإنسان الذي اتخذ من الخلاف مع الآخر سبيلاً. وفي هذا السياق استخدم الإنسان المتصارع لحشد الجموع أدوات أهمها؛ “العصبية” وهي لُحمة الدم أو الصنف أو المجموعة البشرية مثل النزاع بين العرب والعجم مثلاً او النزاع بين السود والبيض، وقد حاول إنسان” حضرنة” والتستر على تلك العصبية فكانت “الهوية”، وصرنا نسمع عن هوية الشعوب، وخرج من ذلك المصطلح والمفهوم “الهوية” تيارات عنصرية صنفت البشر الى درجات بناء على اللغة أو الدين أو الموقع الجغرافي، وهذا التصنيف برر للإنسان ان يستعمر إنسانا آخر لأنه أقل منه مرتبة، وبرر لدول الاستعمار الأوروبي مثلا ان تحتل بلادا وتستعمر شعوبا لأنها تعتقد انها اكثر منها علما وحضارة وأنها اقدر منها على استغلال ثرواتها وتقرير مصيرها.
وفي سياق أدوات الحشد لحروب الثروة استخدم الإنسان أيضا الشعور الديني والدين لما لهذه الأداة من قدرة عالية على تحشيد الناس وقيادتهم، وأنك لا تجد حضارة تخلو من حروب بين اتباع ديانات مختلفة او بين اتباع الدين الواحد ظاهرها نصرة الدين او الطائفة الدينية وباطنها نفس الصراع على الثروة والسلطة الذي أشرنا اليه. ولا بد هنا من الإشارة لإدارة التحشيد الأكثر شيوعا وهي ذكورية المجتمع التي نشأت من حالة تمتع الذكور بالثروة لفترات طويلة نتيجة عوامل شتى لا مجال لذكرها هنا وأهمها التمييز ضد المرأة واستغلالها على الصعد كافة.
أمام هذا الواقع المرير في اختلاف الجنس البشري أصنافا وشعوبا وأفرادا نهضت على مستوى الأمم حركة حقوق اﻻنسان والشعوب في التحرر وتقرير المصير ونشأ على مستوى الشعوب مفهوم الدولة المدنية التي تقوم على تأسيس عقد بين أفراد المجتمع الواحد، هذا العقد هو “الدستور” الذي يحمي اختلاف الناس وتنوعهم فيحترم حرية التدين والهوية والثقافة والعادات والتقاليد ولكنه يمنع استخدام عناصر التنوع هذه في خلاف او نزاع يقوم على أساس عنصري أو سلطوي، ولهذا نظم العلاقة بين أفراد المجتمع برابطة قانونية هي”المواطنة” أساسها تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون بغض النظر عن الإختلاف في اللغة او الجنس او الدين او الجغرافيا او ما شابه. وأهم من ذلك كله ان الدولة المدنية تحمي حرية الأفراد وتنوعهم الديني والثقافي ولكنها تمنع السطوة الأخلاقية للأغلبية بحجة الهوية او العصبية لأن الفيصل بين الجميع هو القانون والقانون فقط.
والمواطنة والدولة المدنية بهذا المعنى لا تغير من حقيقة اختلاف الناس دينا او لغة او تفاوتهم في القدرات والمقدرات ولكنها تحول دون استغلال تلك الأدوات للتمييز بين الناس واضطهاد بعضهم لبعض، ولأن المجتمع له مصلحة في الدولة المدنية فإنها تقوم أيضا على مشاركة جميع الناس في الحكم من خلال أدوات الدستور السلمية الديمقراطية.
باختصار الدولة المدنية الديمقراطية هي الحل لحماية الاختلاف بمعنى التنوع ومنع الخلاف بمعنى النزاع والفرقة والاعتداء على أعراض الناس وخصوصياتهم، فاهم علي جنابك؟!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock