ترجمات

“يافني”: أطروحة يهودية للمساواة في إسرائيل-فلسطين (3-3)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بيتر بينارت* – (تيارات يهودية) 7/7/2020

كيف يمكن أن يبدو النظام السياسي لإسرائيل-فلسطين مساواتية؟ أنشأت جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري شرعة للحقوق ومحكمة دستورية قوية. وبالبناء على هذه السوابق، اقترح المعلق الفلسطيني الأميركي، يوسف منيِّر، العام الماضي في مجلة الشؤون الخارجية “فورين أفيرز” أن إسرائيل-فلسطين مستقبلية قد تكرس مجموعة من الحقوق الفردية التي احتاجت إلى موافقة 90 في المائة من الهيئة التشريعية لإبطالها.
وهذه بداية جيدة. ولكن في أحد الجوانب المهمة، لا يمكن أن تبدو إسرائيل-فلسطين مثل جنوب إفريقيا ما بعد الفصل العنصري لأن جنوب إفريقيا ليست دولة ثنائية القومية. على الرغم من أن قادة الفصل العنصري في ذلك البلد بذلوا قصارى جهدهم لتعزيز الانقسامات العرقية والعنصرية، إلا أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي -الذي كان يضم بيضاً، وهنوداً وجنوب أفريقيين مختلطي الأعراق في مراتب بارزة- لم ير نفسه أبدًا على أنه يمثل أمة سوداء منفصلة، وإنما أمة جنوب أفريقية واحدة. وعندما أصبحت جنوب إفريقيا دولة ديمقراطية لكل شعبها، لم يكن عليها إضافة شَرطة واصلة إلى اسمها.
لكنّ إسرائيل يمكن أن تفعل. في إسرائيل-فلسطين، توجد هوية قومية يهودية وهوية وطنية فلسطينية، ولكن لا توجد هوية وطنية يهودية-فلسطينية، ليس حتى الآن على الأقل. وعندما بحث محررو المجلة التقدمية “مجلة 972+” عن اسم واحد شامل لوصف دولة واحدة بين النهر والبحر، كان كل ما توصلوا إليه هو الرمز الهاتفي الدولي للمنطقة.
كدولة ثنائية القومية، لن تحتاج إسرائيل-فلسطين ديمقراطية إلى حماية الحقوق الفردية فحسب، بل الحقوق الوطنية أيضًا. وهنا، تعد بلجيكا وأيرلندا الشمالية من النماذج الأفضل. تفوض بلجيكا ثنائية القومية سلطة هائلة لمناطقها الثلاث -واحدة تتكون في الغالب من الفلمنك الناطقين غالباً بالهولندية، وواحدة تتكون في الغالب من الوالون الناطقين بالفرنسية، وواحدة مختلطة لغويًا- إضافة إلى “الحكومات المجتمعية” التي تمثل المتحدثين بالهولندية والفرنسية بغض النظر عن أين يسكنون. وإذا عارض 75 في المائة من ممثلي الفلمنك أو الوالون في البرلمان تشريعاً مهماً، فإنهم يستطيعون إيقافه.
وفي أيرلندا الشمالية، يتم اختيار رئيسي حكومة، على التوالي، من قبل أكبر الأحزاب الكاثوليكية والبروتستانتية. وتتطلب القرارات البرلمانية الرئيسية دعمًا كبيرًا من ممثلي كلتا الطائفتين. وليست هذه الأشكال التعاونية -أو “التوافقية”- للحكومة جميلة دائمًا. بين العامين 2010 و2011، حطمت بلجيكا الرقم القياسي عندما استغرقها الأمر 589 يومًا لتشكيل حكومة. ومع ذلك، فإن الدليل الأكاديمي يظل واضحاً: المجتمعات المنقسمة التي تتشارك في السلطة تعمل بشكل أفضل بكثير من تلك التي لا تتقاسمها.
تصور الباحثون والمفكرون طرقًا مختلفة لتكييف هذه النماذج مع إسرائيل-فلسطين بينما تتم معالجة المسائل الشائكة المتعلقة بالحقوق الوطنية، والهجرة، والقوى العسكرية. وبعضها يتضمن الفيدرالية؛ وجود حكومة مركزية تفوِّض السلطة -كما هو الحال في بلجيكا أو كندا- إلى هيئات محلية، والتي من خلالها يدير اليهود والفلسطينيون شؤونهم الخاصة. ويتضمن البعض الآخر الكونفدرالية؛ دولة يهودية، ودولة فلسطينية، واللتين تُسلِّم كل منهما السلطة إلى سلطة فوق-وطنية قد تبدو شيئاً مثل الاتحاد الأوروبي. واقترحت “أرض للجميع”، وهي مجموعة تروج للكونفدرالية، أنه يمكن للاجئين الفلسطينيين العودة إلى إسرائيل، وأن يكونوا مع ذلك مواطنين فلسطينيين، بينما يمكن للمستوطنين اليهود البقاء في فلسطين ويكونون مواطنين لإسرائيل. وكبديل آخر، اقترح المفكر الفلسطيني الشهير، إدوارد سعيد، في العام 1999 أنه في دولة واحدة، “سيتوجب مراجعة قانون العودة لليهود وحق العودة للاجئين الفلسطينيين وتشذيبهما واختصارهما معًا”.
لا يجب أن يمنع تشذيب قانون العودة إسرائيل-فلسطين من أن تكون وطنًا يهوديًا. إن ما هو مهم، إذا كانت هذه الدولة لتظل ملاذاً لليهود، ليس أن يهبط يهودي من نيويورك في تل أبيب ويصبح مواطنًا في اليوم الأول. المهم هو أن تكرس الدولة في دستورها التزامها بأن تكون ملاذاً لأي يهودي -ونعم، أي فلسطيني- في محنة.
ويمكن أن يمتد هذا المبدأ إلى الشؤون الخارجية. تفتخر إسرائيل اليوم بوجود وزارة لشؤون الشتات، مكلفة بتعزيز رفاهية اليهود في جميع أنحاء العالم. ويمكن لإسرائيل-فلسطين ديمقراطية أن تحتفظ بهذه الوزارة، وأن تضيف وزارة مكلفة بتعزيز رفاهية الشتات الفلسطيني. وسيتطلب وضع خطوط عريضة أكثر اكتمالاً لسياسة خارجية ديمقراطية لإسرائيل-فلسطين مقالاً خاصاً به. لكن من الجدير بالذكر أنه على الرغم من بقاء الخصوم الإقليميين مثل إيران وحزب الله، فإن الحرية الفلسطينية ستقوض التبرير الأساسي لعدائيتهم. وإضافة إلى ذلك، من المرجح أنهم سيواجهون إسرائيل-فلسطين متمتعة بسلام دافئ مع معظم العالم العربي.
لا يعني أي من هذا أن تحقيق ديمقراطية ثنائية القومية في إسرائيل-فلسطين ستكون مهمة بسيطة أو سهلة. على العكس من ذلك، سيكون الأمر شديد الفوضى والتعقيد. لكن اليهود سيكونون في وضع جيد للدفاع عن مصالحهم -ربما في وضع جيد جداً بحيث يحول دون حدوث تحول أساسي. بالمقارنة مع مواطني جنوب إفريقيا البيض، يتباهى اليهود الإسرائيليون بعلاقات عابرة للحدود أقوى مع شتات أقوى. كما أنهم يمثلون نسبة أكبر بكثير من السكان مقارنة بالبيض الجنوب أفريقيين. عندما انتهى الفصل العنصري، كان البيض في جنوب إفريقيا يمثلون 12 في المائة من السكان، في حين أن حوالي 50 في المائة من سكان إسرائيل-فلسطين هم من اليهود. وحتى إذا انخفضت النسبة اليهودية من السكان نتيجة للهجرة وعودة اللاجئين وانخفاض معدل المواليد، فإن تجربة جنوب إفريقيا والولايات المتحدة -حيث عالجت المساواة السياسية الهوة الاقتصادية بشكل هامشي فقط بين ذوي الامتيازات تاريخياً والمضطهدين تاريخياً- تشير إلى أن الامتياز الاقتصادي اليهودي سوف يستمر. ويبدو من الغريب أن يُقال هذا الآن، ولكن بعد عقود من منح إسرائيل-فلسطين الحق في التصويت لجميع سكانها، سيكون من الأكثر ترجيحاً أن يقلق المراقبون الواعون -كما يفعلون حاليًا في جنوب إفريقيا والولايات المتحدة- ليس من أن الظروف قد تغيرت كثيرًا، وإنما من كونها قد تغيرت قليلاً جدًا.
* * *
على الرغم من توافر الأدلة على أنه في دولة متساوية لا يمكن لليهود البقاء فقط، وإنما يمكنهم الازدهار، يُنظر عمومًا -على أنه من المسلم به- في الخطاب اليهودي السائد أن يهود إسرائيل سيواجهون، من دون السيادة المطلقة، خطرًا مهلكًا. ويشكل الاعتقاد بأن اليهود في أرض إسرائيل يواجهون خطر الإبادة الجماعية من دون دولة يهودية ركناً أساسياً لما يعنيه أن تكون صهيونيًا اليوم.
لكن معظم مؤسسي الصهيونية لم يكونوا يعتقدون بذلك. يقول المؤرخ ديمتري شومسكي Dimitry Shumsky في كتابه “ما وراء الدولة القومية”، إن المطالبة بدولة يهودية لم تُعرِّف الصهيونية حتى الأربعينيات. ولم يكن هذا صحيحًا فقط بالنسبة لـ”الصهاينة الثقافيين” cultural Zionists مثل أحاد هاعام. وهذا ينطبق أيضًا على “الصهاينة السياسيين” مثل ثيودور هرتزل، وليون بينسكر، وزئيف جابوتينسكي، وحتى ديفيد بن غوريون طوال معظم حياته. وقد أكد هؤلاء الرجال حق تقرير المصير لليهود -وجود مجتمع يهودي مزدهر يتمتع بالاستقلال الذاتي لإدارة شؤونه- أكثر مما أكدوا السيادة اليهودية. ويجادل شومسكي بأنه في العام 1896، عندما نشر هرتزل كراسه “الدولة اليهودية”، فإن “المعنى التقليدي المفترض لمصطلح ‘الدولة’ في السياق المباشر القومي/ متعدد القوميات الذي نشأ فيه هرتزل وعاش فيه يشير إلى منطقة حكم ذاتي وليس إلى دولة قومية ذات سيادة”. وفي الحقيقة، في رواية هرتزل اليوتوبية التي صدرت في العام 1902، “الأرض القديمة-الجديدة”، التي تصور عودة اليهود إلى أرض إسرائيل، فإن المنطقة التي تحمل الاسم نفسه هي منطقة تابعة للإمبراطورية العثمانية. وكما أوضح جابوتنسكي في العام 1909، فإنه “لم يركز التوق الكامل للمثال الذي كان في أذهاننا أبدًا على السيادة، بل تركز بالأحرى على فكرة وجود إقليم؛ مجتمع يهودي متماسك في مساحة واحدة متصلة… ليس دولة يهودية بل حياة جماعية يهودية”. وفي أواخر العشرينيات من القرن الماضي، تخيل بن غوريون مجموعات يهودية وفلسطينية تعمل كـ”دول داخل الدولة”، مع برلماناتها المستقلة ورؤساء وزرائها.
ولا يعني هذا القول أن الصهاينة الأوائل كانوا مهتمين بشكل خاص بحقوق الفلسطينيين. مع بعض الاستثناءات المشرفة، مثل آحاد هاعام Ahad HaAam -ولاحقًا مارتن بوبر Martin Buber؛ وغيرشوم شوليم Gershom Scholem؛ ويوداه ماغنيس Judah Magnes؛ وهنريتا زولد Henrietta Szold، الذين انخرطوا بأشكال مختلفة مع منظمة “بريت شالوم” Brit Shalom، التي دعت إلى دولة ثنائية القومية- لم يكن الصهاينة كذلك. كان الصهاينة الأوائل مهتمين، قبل كل شيء، بخلق مكان يكون ملجأ لليهود ولتجددهم. لكنهم لم يروا تلك الأهداف على أنها مرادفة للدولة. وقد جعلهم ذلك أكثر انفتاحًا من معظم الصهاينة المعاصرين على ترتيبات دستورية يتمتع فيها اليهود والفلسطينيون بالاستقلال الذاتي لإدارة شؤونهم الخاصة. وقد اقترح أحد أبرز أعضاء “القائمة المشتركة”، أحمد الطيبي، أن تصبح إسرائيل “دولة لكل جنسياتها”: دولة لا يتمتع فيها اليهود والفلسطينيون بحقوق فردية متساوية فحسب، بل بحقوق وطنية متساوية أيضاً. ويرى شومسكي أن رؤية الطيبي “متوافقة بشكل كبير مع العناصر الرئيسية المركزية للخيال السياسي الصهيوني لفترة ما قبل الدولة”.
كيف تطورت الصهيونية من أيديولوجية تضمنت بدائل عن الدولة اليهودية إلى أيديولوجية تساوي بينه هذه البدائل وبين الإبادة الجماعية؟ جزء من الإجابة هو أنه في أواخر عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، في ظل الحكم الاستعماري البريطاني، أدت الزيادة في الهجرة اليهودية إلى زيادة العنف بين الفلسطينيين واليهود، ما أدى إلى اقتراح “لجنة بيل” في العام 1937 تقسيم فلسطين إلى دولتين عرقيتين-دينيتين، وهي فكرة تبناها العديد من الصهاينة على مضض. لكن “الهولوكوست” كانت هي التي غيرت بشكل أساسي التفكير اليهودي بشأن السيادة. ويلاحظ شومسكي Shumsky أنه في الأربعينيات من القرن الماضي، تصوَّر الصهاينة “عقدًا جديدًا” مع العالم: “في مقابل إبادة ملايين اليهود الأوروبيين ومحو الشخصية اليهودية الجماعية من أراضي الشتات الأوروبي، يجب منح اليهود دولة يكون من شأنها أن تعبر عن الهوية القومية اليهودية وحدها”.
منذ الهولوكوست، وبلا توقف، أسقط اليهود بأثر رجعي برنامج الإبادة النازي على المعارضة الفلسطينية للصهيونية قبل قيام الدولة. لكنَّ عدسة الهولوكوست هذه تشوه الطريقة التي تصرف بها الفلسطينيون فعليًا: ليس ككارهين لليهود منطوين على رغبة في إبادتهم جماعياً، وإنما مثل الشعوب الأخرى التي تسعى إلى الحصول على حقوقها الوطنية. وفي ظل الحكم الاستعماري البريطاني، ضغط القادة الفلسطينيون من أجل مؤسسات تمثيلية يمكن أن تُمكنَ انتقالاً سريعاً إلى الاستقلال، تمامًا مثلما فعل القادة الوطنيون في آسيا وإفريقيا، وبقية الشرق الأوسط. وبينما أصروا عمومًا على أن اليهود الموجودين مُسبقاً في فلسطين يستحقون حقوقًا متساوية، فقد عارضوا الهجرة الصهيونية الجماعية، التي اشتبهوا، مُحقِّين، بأنها ستأتي على حسابهم، خاصة وأن وعد بلفور ألزم بريطانيا بإنشاء “وطن قومي” لليهود، ولكن ليس للفلسطينيين. وفي العامين 1937 و1947، رفض الفلسطينيون خطط التقسيم التي عرَضت عليهم دولًا أقل بكثير من نسبة أراضي البلد التي يمتلكونها.
في العامين 1929 و1936، تحولت الانتفاضات الفلسطينية لتصبح عنيفة. ولكن في هذا أيضًا، كان الفلسطينيون بالكاد غير عاديين بين الشعوب التي تحارب الاستعمار: شهدت الأعوام 1919-1930 انتفاضات عنيفة في مصر، والعراق، والهند، وسورية، وإندونيسيا، وفيتنام وبورما- كما استخدم الصهاينة أنفسهم العنف ضد الفلسطينيين والبريطانيين في فلسطين الانتداب. وحتى استعداد المفتي العام للقدس، أمين الحسيني، للتعاون مع النازيين في الأربعينيات -على الرغم من كونه زريّاً ومأساويًا- لم يكن فريدًا بين القادة الوطنيين في البلدان الخاضعة للسيطرة البريطانية والفرنسية، الذين اعتنق عدد منهم نهج “عدو عدوّي” تجاه قوى “المحور” التي تقاتل أسيادهم الإمبرياليين.
لكل هذه الأسباب، صور الصهاينة البارزون لمرحلة ما قبل الدولة المقاومة الفلسطينية، ليس على أنها حركة تستهدف الإبادة الجماعية لليهود، وإنما على أنها حركة مفهومة. وكتب جابوتنسكي، الصقري المتشدد، في العام 1923: “كل سكان العالم الأصليين المستعمَرين يقاومون بما أن لديهم أدنى أمل في أن يتمكنوا من التخلص من خطر استعمارِهم. هذا ما يفعله العرب في فلسطين”.
إن تصوير الفلسطينيين على أنهم كارهون مريرون لليهود -والاعتقاد المترتب عليه بأن أي شيء أقل من دولة يهودية يشكل انتحارًا جماعيًا- لا ينبع من السلوك الفلسطيني بقدر ما ينبع من الصدمة اليهودية. وكما لاحظ الباحث الإسرائيلي الراحل يهودا الكانا، أحد الناجين من “المحرقة”، فإن ما “يحفز الكثير من المجتمع الإسرائيلي في علاقاته مع الفلسطينيين هو… تفسير خاص لدروس الهولوكوست”. إنها عدسة الهولوكوست هذه هي التي دفعت رئيس الوزراء مناحيم بيغن، عشية الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982، إلى التصريح: “البديل عن هذا هو ‘تريبلينكا’”. (1) إنها ما يسمح لمنظمات المؤسسة اليهودية الأميركية بالمشاركة في مؤتمرات تركز على الشرق الأوسط بعنوان “هل هو العام 1938 مرة أخرى؟” ومن “الحق في الوجود” إلى “حدود أوشفيتز” إلى “جودينرين”، تعمل مقارنات الهولوكوست على تشكيل الحوار اليهودي حول الفلسطينيين، حتى بينما لا يكون اليهود على دراية كاملة بذلك. وتشير الأبحاث الأكاديمية إلى أنه كلما تعمق اليهود الإسرائيليون في استيعاب رواية عن الاضطهاد اليهودي التاريخي، قل تعاطفهم مع الفلسطينيين.
إنه بسبب عدسة الهولوكوست أن الكثير من اليهود مقتنعون بأن المدارس الفلسطينية تعلِّم الأطفال الفلسطينيين أن يكرهوا اليهود، عندما أظهرت الدراسات الأكاديمية مرارًا وتكرارًا أن الكتب المدرسية الفلسطينية ليست أكثر تحريضاً من الكتب الإسرائيلية. وبسبب عدسة المحرقة أنه عندما ذهبت مراسلة صحيفة “هآرتس، أميرة هاس، للعيش في غزة، أخبرها يهود إسرائيليون بأنها تضع “حياتها تحت الخطر”. (في الواقع، خلال الأعوام الأربعة التي أمضتها في غزة، عاشت مع “الترحيب الحار”). وبسبب عدسة الهولوكوست هذه قام اليهود الذين أمضوا عقودًا في تطوير علاقات مع قادة حماس -مثل الراحل مناحيم فرومان، الحاخام السابق لمستوطنة تيكوا، والحاخام مايكل ملكيور، وهو وزير سابق في الحكومة الإسرائيلية- يواجَهون بالسخرية أو التجاهل عندما يقترحون أن هؤلاء القادة على استعداد للعيش في سلام. وهي عدسة الهولوكوست التي تجعل اليهود الذين يعترفون بالإنسانية الفلسطينية يبدون ساذجين، إن لم يكونوا خائنين، وتجعل اليهود الذين ينظرون إلى الفلسطينيين على أنهم متعطشون للدماء يبدون واقعيين، وقادرين على مواجهة الحقيقة، حتى عندما لم يلمسوا -كما هو الحال غالبًا- حتى كتابًا واحداً لمؤلف فلسطيني أو يأكلوا في منزل فلسطيني.
هذا التجريد من الإنسانية الذي يتنكر في زي الواقعية هو سرطان. إنه لا يحول الفلسطينيين إلى نازيين فحسب، بل يحول أي شخص يتبنى القضية الفلسطينية إلى متعاطف مع النازية، مذنب بمعاداة السامية حتى تثبت براءته. إنه يقود الحكومة الإسرائيلية وحلفاءها اليهود في الشتات إلى النظر إلى النشطاء الذين يقاطعون إسرائيل باسم المساواة الفلسطينية على أنهم يشكلون تهديداً أكبر للحياة اليهودية من السياسيين ذوي العرق الأبيض الذين يهاجم أتباعهم المعابد اليهودية. إنه يقود المؤسسة اليهودية الأميركية إلى تعليم الدعاية الحكومية الإسرائيلية لليهود الأميركيين الشباب عندما ينبغي أن تعليمهم عن اليهودية -مقنعة بذلك جيلاً كاملاً من الشباب اليهود التقدميين الأميركيين الملتزمين بأن المجتمع الذي نشَّأهم فاسد أخلاقياً.
في النهاية، لا تقتصر مساواة الفلسطينيين بالنازيين على تهديدهم هم فقط. إنها تهددنا نحن أيضاً. ثمة موضوع ثابت في كتابات الأميركيين من أصل أفريقي -من فريدريك دوغلاس، إلى جيمس ويلدون جونسون إلى جيمس بالدوين- هو أنه من خلال إيذاء السود، يؤذي البيض أنفسهم أيضًا. ويدرك الكثير من الفلسطينيين حقيقة مماثلة. وقال زعيم “القائمة المشتركة”، أيمن عودة، في مؤتمر استضافته صحيفة “هآرتس” في العام 2015: “السجين يحلم بالحرية، والسجن يطارد أحلام حارس السجن. يجب أن نحرر كلا الشعبين”.
على مدى أجيال، كان اليهود ينظرون إلى الدولة اليهودية على أنها “تيكون”، رؤية “لإصلاح العالَم”، وطريقة للتغلب على إرث الهولوكوست. لكن هذا لم يعمل. لتبرير قمعنا للفلسطينيين، فرضت الدولة اليهودية علينا أن نراهم كنازيين. وبهذه الطريقة، أبقت على تراث الهولوكوست حياً. لكن “التيكون”، الإصلاح الحقيقي، هو المساواة؛ وطن يهودي يكون أيضًا وطناً فلسطينياً. فقط من خلال المساعدة على تحرير الفلسطينيين -وفي عملية الوصول إلى رؤيتهم كبشر، وليس تجسيدًا لماضينا المعذَّب- يمكننا تحرير أنفسنا من قبضة الهولوكوست. إن الكلمة العبرية للسلام، “شالوم”، مرتبطة بكلمة “شليموت”، الكمال. وحدها الحرية الفلسطينية -كشرط مسبق لسلام حقيقي في إسرائيل-فلسطين- هي القادرة على جعل اليهود كُلاً مكتملاً.
عندما طلب الحاخام يوحانان بن زكاي من الإمبراطور الروماني أن يعطيه “يافني”، كان يعترف بأن مرحلة من التاريخ اليهودي قد وصلت إلى نهايتها. وقد حان الوقت لكي يتخيل اليهود مساراً مختلفاً. لقد حان ذلك الوقت مرة أخرى. تخيلوا دولة، والتي عند غروب الشمس في السابع والعشرين من نيسان (أبريل)، بداية ‘يوم هاشوا’ -يوم ذكرى المحرقة- ينكِّس فيها الرؤساء المشاركون اليهود والفلسطينيون علمًا في ساحة غيتو وارسو في “ياد فاشيم”، بينما يتلو إمام دعاءً إسلامياً للموتى. وتخيلوا هؤلاء القادة أنفسهم، في الخامس عشر من أيار (مايو)، وهم يجتمعون في مقبرة تم ترميمها في قرية دير ياسين، موقع متحف مستقبلي للنكبة، والذي يحيي ذكرى ما يقرب من 750 ألف فلسطيني فروا أو طُردوا أثناء تأسيس إسرائيل، بينما يتلو حاخام “الملي رشَميم”، صلاتنا على الموتى.
هذا ما يمكن أن تعنيه “يافني” في عصرنا. وقد حان وقت لبنائها.

*ساعد أميتاي أبوزاغلو؛ وإليوت كوهين؛ وفيليب جونسون في البحث من أجل إنجاز هذا المقال.
*Peter Beinart: أستاذ الصحافة والعلوم السياسية في مدرسة نيومارك للصحافة بجامعة مدينة نيويورك. وهو أيضًا محرر مسهم في “تيارات يهودية” Jewish Currents، ويكتب The Beinart Notebook، وهي نشرة إخبارية أسبوعية. وهو كاتب رأي مسهم في “نيويورك تايمز” يركز على السياسة الخارجية والسياسة الأميركية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Yavne: A Jewish Case for Equality in Israel-Palestine
هامش المترجم:
(1) معسكر تريبلينكا Treblinka هو معسكر إبادة بنته وشغلته ألمانيا النازية في بولندا المحتلة خلال الحرب العالمية الثانية. وتم تشغيل المخيم بين 23 تموز (يوليو) 1942 و19 تشرين الأول (أكتوبر) 1943 كجزء من عملية راينهارد. وخلال هذه الفترة، يقدر أن ما بين 700.000 و900.000 يهودي قتلوا في غرف الغاز، إلى جانب 2000 شخص من الغجر.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock