أفكار ومواقف

يا جبل الغيم الأزرق

تشير الدراسات الى أن بداية الاستيطان البشري على جغرافيا الأردن بدأت في (السخنة) قبل مليوني سنة، فيما ترجع دراسة بحثية بداية وجود الإنسان الأردني الى (تل الصوان) بتقدير مليون ونصف مليون سنة؛ حيث ترصد نشاطات استخلاص قلب حجر الصوان وتطويعه، وتتدفق البيانات من كل زوايا الجغرافيا ذاتها عند فتح باب الزراعة، فأقدم دليل عالمي حول بداية الزراعة يرد الى عين غزال، إنها نقطة التحول البشري من مجتمع الصياد المتنقل الى المستقر، ذات البيئة الرائدة التي بنى أبناؤها أول معادلة كيميائية محولين المواد الخام الى مصنعة.
وبالحديث عن المعادلات الكيميائية، نجد أن (زينة)، وهو اسم أنثى تمثال عين غزال، لم تبح بكل أسرارها، فقد وجدت مدفونة أسفل طبقة من الحديد المصقول، فيما طليت عيناها بالقطران ورصعت بالأحجار الكريمة، وبتعريضها للأشعة وجد الباحثون أنها دمية مبنية في قلبها على قصب ملفوف بقش مطلي بالجبس، عمل متقن لإنسان قيل إنه بدائي.
وفي الجنوب، ابتكرت أول إبرة خياطة قبل عشرة آلاف سنة؛ حيث وجدت بالشكل ذاته المستخدم اليوم وإن صممت بالعاج والعظم في حينها، وبالحديث عن ابتكار الأدوات يسجل للمجتمع الأردني اختراع المنجل في منطقتي (البعجة) و(البيضاء) قرب البتراء، والذي يعد مؤشراً مهماً على الوفر الزراعي الذي وصله الأجداد ليبتكروا أداة تسهم بتعجيل الحصاد، هذا الوفر يعزز نظريته اكتشاف جرار التخزين العملاقة في تل أبو حامد في وادي الأردن، فيما أكدت آخر الاكتشافات أن أول رغيف على وجه البسيطة قدم للبشرية من هذه الأرض العظيمة.
عالمياً، ينسب بداية عصر كامل للأردنيين، وهو العصر النحاسي، وفيه بدأت ثورة النحاس؛ حيث استطاع الأردنيون في وادي فنان بناء فرن مغلق قادر على الوصول لدرجة صهر النحاس التي تتجاوز الألف درجة مئوية.
وفي فترة دويلات المدن بين النهرين وعلى امتداد النيل، بدأ الكيان السياسي الأول للأردن بالتشكل بدءا بممالك العمونيين والمؤابيين والآراميين ووصولا للأنباط الذين ارتأى (بومبي) في زحفه العظيم الى الشرق أن يواجههم بتحالف الديكابوليس الرهيب، وهي عشر مدن جلها ضمن جغرافيا المكان الأردني، وبعد نجاح الفكرة توحد الشمال الأردني وجنوبه في المملكة العربية، فكان الشكل التاريخي السياسي الأردني الذي نعيش فيه اليوم.
إنها حدود الأردن التاريخية في أقصى الشمال تودعك جدارا وجنوبه آيلة وفي أقصى شرقه أم الجمال، وثلاثتها من المدن العشر، وعلى امتداده تتناثر باقي سطور الحكاية بين انكماش وتمدد ولكن بقي الجوهر ذاته بأهله وتاريخه الإنساني، هذا التاريخ الإنساني مر بممالك الغساسنة واحتضن ثورة العباسيين وكان عاصمة الأيوبيين وصولاً للاحتلال التركي الهمجي الذي خطفنا من التاريخ ومن الحضارة تحت اسم الدين فكانت أربعمائة سنة من النهب والسلب بلا أي إضافة، اضطر خلالها الأردني بعد أن قدَّ بيته في الصخر الى نسجه بالشعر وحمله على ظهره هرباً من لصوص دولة الخرافة.
ليخوض الأجداد الثورات المتتالية على مدار سنين الاحتلال التركي، ثورات صغرى ووسطى ختمت بالثورة الكبرى والتي شكل هيكل جيشها فرسان الجغرافيا الأردنية، وبنهاية الثورة وبطرد المحتل التركي ائتلف الأردنيون من جديد بعد سنوات التيه تحت راية المملكة الأردنية الهاشمية.
مائة سنة لا تخلو من التعب، لكنها مائة سنة من الإنجاز تم فيها بناء آلاف المدارس وعشرات الجامعات وشيدت الطرق والبنى التحتية والاتصالات والمستشفيات وتخرج ملايين الطلبة، مائة سنة تستحق أن نقف أمامها بعظمة من أعادوا لنا الوطن لمساره الإنساني والحضاري من مائة سنة، كما عاشوا فيه من ألف سنة ومن أول الدنيا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock