فكر وأديان

يا شباب، الأمور ليست كما تبدو

من العبارات المشهورة والدارجة على المرايا الجانبية للسيارات “احذر: المرآة لا تظهر الأجسام بحجمها الطبيعي، والمسافات قد تبدو أقرب مما تظهر”، وهذا يماثل ما نراه في المقاطع التي تكشف آليات تصوير الإعلانات التجارية حيث يتم التلاعب بالتصوير من حيث اختيار زاوية التصوير والضوء والظل وعمل تجميل للسلع، إما بالطلاء اللامع أو إخفاء العيوب أو اختيار عينات متميزة لا تتوفر دوماً على صعيد الفاكهة والخضار مثلاً، واستخدام أحجام أكبر من العينة المتاحة في السوق، ولذلك يُصدم كثير من الناس حين يحوزون على سلعة تم شراؤها وطلبها بعد رؤية صورتها في الإعلانات في الصحف أو الإنترنت أنها لا تتطابق مع الواقع الذي وصل إليهم!!
وهناك أمثلة كثيرة جداً في حياة أبنائنا وبناتنا يلزم أن ينتبهوا إلى أنها في حقيقتها ليست كما تبدو من بعيد أو عبر الإعلانات ووسائط التواصل الاجتماعي أو من خلال دعاية الأصدقاء وترويجهم لها، ومن ذلك مثلا:

  • الأطعمة السريعة والمشروبات الغازية، التي تسوق على أنها متعة ولذة وحياة رائعة، لكنها في حقيقتها سبب للأمراض القاتلة من انسداد الشرايين وزيادة الدهون الضارة وسبب للسمنة المفرطة، وما ينتج عنها من مشاكل لاحقا، فضلا عن تسوس الأسنان والإصابة بمرض السكري.
  • تدخين السجائر والأرجلية والشيشة، حيث سوّقت قديما باعتبارها من مستلزمات الرجولة والكرم والنضج والبطولة، واليوم تسوق بين الفتيات باعتبارها رمزا للتحرر وامتلاك القرار والاستقلال!! والنتيجة تصاعد نسبة أمراض السرطان والجلطات والرئة وفقدان للجمال والأنوثة عند الفتيات!!
  • إدمان المخدرات، يسوق للشباب والشابات باعتباره قمة المتعة والنشوة وبوابة السعادة ومغادرة الهموم والغم وسببا لتحمل المشاق في الدراسة والعمل وكثرة الإنجاز، والحقيقة أنه بوابة الجحيم في الدنيا والآخرة والفقر والذل والفضيحة والفشل!
  • ألعاب الإنترنت، حيث تروج بوصفها تسلية وألعابا مسلية ومبددة للملل ووسيلة لشحذ التفكير وإعمال للعقل، لتنتهي بوصفها إدمانا يعطل عن متابعة التحصيل الدراسي والهوايات المفيدة أو الواجبات الوظيفية فضلا عن احتواء كثير من الألعاب على مضامين فكرية خفية تروج لأفكار إلحادية وإباحية هدامة أو تشجع على جرائم بشعة من السرقة والفاحشة والقتل أو الانتحار!
  • القروض الربوية، حيث تقدم بأنها الوصفة العصرية لعلاج المسائل الاقتصادية، فالسيارة والتعليم والعلاج والشقة والسياحة والاستهلاك تحل بقرض ربوي مباشر أو عبر بطاقات الائتمان، لتكون النتيجة ما نشاهده سنوياً في إعلانات التصفية على الشقق والسيارات والمحلات التي عجز أصحابها عن سداد أقساطها وفوائدها الربوية، وما قضية الغارمات في السجون اليوم إلا نتيجة الاستهانة بالقروض الربوية!
  • الانفتاح على الأفكار الوافدة الضارة عبر القنوات والمواقع والروايات والكتب باسم الثقافة وسعة الاطلاع والفضول ومتعة التجربة، لتكون النتيجة اعتناق الأفكار الإلحادية وظهور مجموعات عبدة الشيطان والإيمو وجحافل الفحش والعري!
    كل هذه الأمثلة من الفواجع والمصائب تحدث بسبب أن الشباب والشابات لم يزرع فيهم منهجية التفكير السليمة في البيت ولا المدرسة أو الجامعة، ولا قام الإعلام بواجبه، بحيث يستطيعون التفريق بين الصورة الخارجية الزائفة التي لا تبدو على ما هي عليه في الحقيقة، وبين الحقيقة في الواقع، والذي يكتشفها الشباب والشابات حين يصطدمون بالحقيقة بشكل مروع إما بالإصابة بمرض صعب أو الوقوع في مشكلة كبيرة أو الموت والوفاة!
    وهذه الأمثلة من تباين الحقيقة عن الصورة الرائجة والمروجة بين الشباب والشابات هي طبيعة الحياة الدنيا كلها، وهذا ما حذرنا منه الله عز وجل في القرآن الكريم في العديد من الآيات الكريمة كقوله تعالى: “وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور” (آل عمران: 185) ومتاع الغرور هو الشيء الممتع لكنه سرعان ما يزول، ولذلك فهو مثل الغرور لا بقاء له، وكل مُتع الدنيا لا تبقى فلا الصحة ولا القوة ولا الجمال ولا العقل ولا الغنى ولا السلطة، فهل يدرك شبابنا وشاباتنا هذه الحقيقة القرآنية، ويرون الأشياء على حقيقتها وحجمها وبعدها الحقيقي؟
    وقال تعالى: “وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو” (الأنعام: 32)، فأمور الدنيا في حقيقتها كلعب الأطفال ولهوهم لا تستمر ولا تدوم، وسرعان ما تنقضي تلك الأيام وتتبدل الأمور وتتغير فلا ينخدع بها العاقل.
    فإذا كانت الدنيا في حقيقتها ليست كما تبدو عليه من جمال ورونق وزينة فما هي الحقيقة التي تخفيها هذه البهارج الدنيوية عمّن ينخدع بها؟ يأتي الجواب من القرآن الكريم في قول ربنا تبارك وتعالى: “يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهُم عن الآخرة هم غافلون” (الروم: 7)، فبهارج الدنيا تخدع الناس وتحجب عنهم حقيقة الآخرة وما فيها من نعيم للمحسنين وعقاب للمجرمين والفاسقين، فهل نتعظ ونتدبر فيما حولنا لنوقن أن هذه الدنيا وزخارفها ليست كما تبدو عليه؟ وأنها ليست نهاية الرحلة؟ فنتدراك ما فات من تقصير، ونعوّض النقص والخطأ بالتوبة والاستغفار والله تواب رحيم، أم تتحقق فينا المقولة الصادقة والعميقة: “الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا”، ولكن ما فائدة اليقظة بعد الموت!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock