ثقافة

يا ناس، غُرة المجد لا تشيب!!

عبد السلام الطراونة

عمت صباحاً.. يا جوهرة الصحراء ودُرتها!! وطاب الصباح يا شامة طُبعت بمقدار على صحن خدّ سيدة المدن وحارسة المجد!!
طاب النهار.. يا حبّة خالٍ تربعت على مُحيا (خشم العقاب)! وطاب المساءُ.. فمساؤك بالمناسبة صباح.. يا قامة باسقة تتسنمُ باقتدار ذروة العزّ والسؤدد!
طاب مجدك، يا مليحة المدن، يا من عينك اليمنى على الشرق تحرس شمس المجد مخافة أن تغيب.. والثانية تُطلّ من حالقٍ على الغرب صوب الغالية فلسطين ترقب درب الحق وتكتحل بمرأى الخط البطولي القويم الذي سلكهُ سيفُ وعزمُ (صلاح الدين) حين فك أسر فلسطين ودرتها القدس الشريف من براثن الاستعمار الغربي والمحتلين!!
عمت صباحاً يا ماجدة تتربع على ذروة المجد.. زوادتها سيرة ومسيرة الملك المقدام (ميشع) ملك مؤاب الذي جرع العبرانيين الصهاينة علقم الهزيمة.. وأهدانا لا بل ورّثنا طعم النصر المبين على المعتدين!
.. هذا النصر الذي خلّده ميشع الملك بمداد من البطولة الفذّة عبر أربعة وثلاثين سطراً من سطور مجدٍ تاريخي تليد ينطق بها على الدوام وبكل لغات الكون لسانُ (مسلة ميشع) التي تحتل مكاناً مرموقاً في متحف (اللوفر) بباريس!
.. نعم هذا النصر الذي لم نر مثله في تاريخنا المعاصر إلا مرة واحدة…
على يد الراحل الكبير والملك الشجاع حسيننا العظيم وجيشنا العربي الباسل وبمساعدة من إخوتنا الفدائيين الفلسطينيين حين زغرد الرصاص وصهل المجد على أرض الكرامة وتناخى جند الحق أبطال جيشنا العربي وفي المقدمة منهم القائد العسكري الفذ مشهور الجازي وكبار الضباط يتناخون باسم الله والوطن والحسين.. وتربع المجد والظفر والرصاص على أرض الكرامة.. فأصاب الخوف والهلع والذهول جنود العدو الإسرائيلي الذين فروا وسراويلهم مدلاة من أرض المعركة تاركين وراءهم دباباتهم وجنازيرهم ومجنزراتهم التي غدت بفضل الله عز وجل والحسين الغالي الذي تولى إدارة المعركة ودفة النصر ومن حوله الزنود السُمر.. نعم غدت آليات الصهاينة دُمى أسيرة مركونة في متحف بطولة جيشنا العربي المقدام!
وأما بعدُ.. فقد نبؤوني يا ذات المجد.. يا كرك التاريخ والسؤدد بأن التصدعات قد غزت خدّك البهي.. ونبؤوني ثانية أيتها القلعة الشامخة في كرك المجد بأن التشققات ثلمت وجهك الصبوح!!
ونبؤوني في الثالثة بأن التصدع قد وصل إلى القاعة الناصرية ونال من كتفك المنيع يا جارة الوادي.. نعم وادي الكرك المجاور للقلعة الذي يتعطر بدم الشهداء -حناّء الوطن- ويتشرف مع طالع شمس كل يوم باحتضان ثوار “هيّة الكرك” الذين ألقت بهم قوى الظلم إلى الوادي من فوق أسوار القلعة العالية!
فقلت على الفور: يا ولد حُطّ في الخرج! لأن المجد التليد لا يشيخ.. والتاريخ البهيّ لا يهرم.. وموئل الصقور (المَصقرَة) لا تعرف الوهن!!
فكيف، بربكم، يهرم من قُدَّ عزمها من شجاعة الملك ميشع (ملك مؤاب).. وشموخها من بطولة صلاح الدين الأيوبي (خال وصفي) !!.. وصمودها وصبرها من صبر وصمود طيب القسمات الحسين العظيم.. وبأسها من فروسية رجال الهيّة الكركية بزعامة الشيخ الجليل (قدر المجالي) ورفاقه الأشاوس من بني وطني، مسلمين ومسيحيين، على حد سواء الذين أفخر بأن جدّي لأمي الحاج (ذياب الطراونة) كان أحدهم.. وكان رأسه مطلوباً بشدة مقابل مكافأة مقدارها وزنهُ ذهبًا!! فرحل الطغاة مدحورين.. وظل رأس جدي مرفوعًا!
يا ناس. كيف يحدودب ظهر من أُسندت ظهرها إلى ثلاثي المجد.. صلاح الدين محرر القدس.. وميشع قاهر الصهاينة.. وفرسان (هيّة الكرك)؟!
وهل تهرم قسمات من كانت غمداً لسيف صلاح الدين. ومسندًا لزند الملك ميشع.. مثلما كانت رصاصاً وزهاباً لبنادق ثوار (هيّة الكرك)!!
يا ناس.. هل تهرم من تكتحل عيناها كل صباح بمرأى تمثال صانع النصر المهيوب (صلاح الدين والدنيا) بكامل سلاحه وقيافته وعنفوانه وهو يمتطي جواده ويصوّب شاهده وحسامه نحو الغرب حيث الحق السليب والأقصى والحرم الإبراهيمي وفلسطين العزيزة؟!
يا ناس.. هل تشيب رموش وتذبل عينُ من رأت بأم عينها قوافل المدد والسلاح والعون وهي تنساب من دارة (أبو شوكت) عمّي حسين باشا الطراونة بجوار القلعة في كرك المجد والتاريخ إلى فلسطين الغالية وهي محملة بذهب ومصاغ بنات الطراونة (الطرويات) وشقيقاتهن الكركيات ومعونات أشقائهن أبناء الكرك والتي استحالت إلى أكياس قمح وبداخلها السلاح والبواريد وفوقها مفارش وبسط محشوة برصاص البنادق نسجتها أيدي النشميات في قبو منزل (أبو شوكت).. نعم استحال الذهب إلى بنادق وعزوةٍ ورصاصٍ لنصرة أشقائنا المجاهدين والثوار في فلسطين بقيادة الراحل الكبير الحاج أمين الحسيني.
وبالمناسبة، ما تزال دموع المجاهد الراحل الدكتور قاسم ملحس ماثلة أمامي وهي تتدحرج على صحن خدّه كحبات اللؤلؤ وهو يروي على مسامعي تفاصيل المشهد المؤثر لدى وصول قوافل السلاح والحنطة والمفارش والبسط المحشوة بالرصاص والمدد والعون عبر لسان البحر الميت إلى فلسطين توأم الروح.. وروعة اللقاء الأخوي بين الأردني المساند وأخيه الفلسطيني المجاهد!
وأيقنت ساعتذاك، وأنا أصغي بكل جوارحي لتفاصيل رواية بلّلتها دموع الوفاء والعرفان والأخوة وهي تنداح من مهجة المرحوم ملحس.. أيقنت أن أغلى اللآلئ والجواهر في الكون وأنقاها وأصدقها هي تلك التي صيغت على شكل دمعة!
يا ناس.. هل تجرؤ الأخاديد والتشققات على قهر تاريخ وعنفوان ماجدة احتضنت بكل اقتدار حضارات عريضة عددها عشرة وأَزيد!! وهل تهرم من كانت القاهرة ودمشق وغيرهما من العواصم في سالف من الزمن تابعةً لها وتصدع لقراراتها!! وهل تهرم من قهرت هي وأهلها غزو واحتلال الصهاينة.. وظلم المستعمرين.. وطغيان الدواعش؟
يا ناس.. هل تهرم من أنجبت (حابس المجالي) بطل معركة باب الواد واللطرون.. (أخو خضرا) الذي وضع الأصفاد في يد السفاح أرتيل شارون وجرّه من عنقة ذليلاً إلى ثكنة الكتيبة مطأطئ الرأس مثل جرو مذعور!
يا ناس.. هل يجرؤ الشيب على غزو رأس من رفعت رأسها عاليًا بفروسية ونخوة الشيخ الجليل إبراهيم الضمور (والد الذبيحين) الذي قدّم ولديه الشهيدين (علي) و(سيد) فداء من أجل حماية الشقيق الفلسطيني الشيخ قاسم الأحمد الجماعين (قائد ثورة نابلس) الذي استجار بالكرك ودخل إلى منزل الشيخ الضمور هرباً من ظلم سلاطين الأتراك وطغيانهم؟! فهل تشيبُ اليوم من لم تشب بالأمس وهي ترى نار الظلم تجتاح جسديّ (علي) و(سيد) الطاهرين.. فيما وقفت خنساء العصر الشيخة (علياء الضمور) أم الشهيدين -يا علياء العز والشهامة!!- وهي تهتف: المنية ولا الدنية! زغردن معي يا نشميات الكرك.. ورددن: الموت ولا الدنيّة!
يا ناس.. هل تجرؤ أخاديد الشيخوخة على اجتياح عزيمة سيدة المدن التي لوحت بمنديلها المصبوغ بالعز للبطل (معاذ الكساسبة) وهو يضع المصحف الشريف في جيبه صوب القلب ويبسمل قبل الشروع في مهمته لدك أوكار الظلم وجحور الوحوش الذين أساؤوا لديننا الحنيف واختطفوا رسالته السمحة في التسامح والمحبة واحترام بني البشر! وهل تهرم من أنجبت (أسد القلعة) أيقونة الشجاعة الشهيد (سائد المعايطة) الذي اقتحم قلعة الكرك مثل أسد جسور وداهم الإرهابيين وهو يحمل في إهابه بسالة ألف بطلٍ وأزيد!
يا ناس.. هل تشيب غُرّة المجد؟! وهل تهرم أم “الهيّة” وأم الثورات والبطولات؟ هل تهرم “مصقرة” القامات الباسقة؟
لا.. لن تشيخ من كانت شاهدًا وشريكًا في صنع المجد وقهر الظلم ورد العدوان.. لا ولن يحدودب ظهر المدينة التي تنفرد دون سواها بأنها المدينة الوحيدة التي يضطر زائرها وضيفها وداخل حماها بأن يمشي الهوينا ويرفع الرأس عالياً في حضرتها كي يراها في عليائها.. وأن يشرئب بعنقه ونظره إلى الأعلى نحو الذرى منذ أن تلمح عيناه (عين سارة) ويبدأ مشواره نحو المليحة بدءًا من (وادي أطوي) الذي يشكل نطاق (الشيخة) وإزارها.. ووصولاً إلى قلب القلب حيث تمثال البطل صلاح الدين الأيوبي.. وحتى تكتحل العين برؤية الجوهرة (مصطبة القدس) التي تحتضنها قلعة الكرك ونحضنها نحن برمش العين! ووصولاً أيضًا إلى غرة المليحة والقامة الباسقة التي تتربع في الأعالي على ربوة مكنونة بين ثنايا الضلوع في حصن الكرك المنيع!! حيث تتم النجوى وبصمت أبلغ من كل قواميس الكون بين (مصطبة القدس) في الكرك وشقيقتها المقابلة (مصطبة الكرك) بجوار الصخرة المشرفة في القدس الشريف وحيث يناجي القلب الأردني شقيقه الفلسطيني غربي النهر: همُّك يا ابن أُمي همّي.. ووجعك يا أخوي وجعي!! فلا تهن لأن الاحتلال الصهيوني لن يظل حاجزاً بين القلبين والمصطبتين بل سيزول بحول الله.
لا.. لن تهرم الكرك (أم الهّية) وأمنا الغالية التي تحتضن المسجد والكنيسة جنباً إلى جنب في وئام وأخوة قلّ نظيرهما! وتحضن كأم الصقر الهصور أبناءها، مسلمين ومسيحيين كفلقتي قلب واحد في تعايش إيماني مشهود وتراحمٍ دنيوي محمود لا تخطئ دلالته العين والبصيرة! حيث يعيش محمد المصاروة المسيحي إلى جانب شقيقه محمد المسلم ابن مؤاب، وحيث أختنا النشمية (فروسينا) المسيحية الكركية تحنو على ابنها بالرضاعة (عطية) المسلم وتمده بالحليب والنخوة العربية وحيث يمتزج الدم والحليب والحميّة العربية الإسلامية والأنفة القومية في شرايين القلب الواحد.. وحيث تسود وشائج القربى والأخوة والحضارة العربية! وحيث.. وحيث.. وحيث!
أوآه.. يا كرك المجد.. يوجعني أيتها الحبيبة الجرح في خدّك البهي!! ويوجعني.. ويوجعك أكثر الصمت إزاء الجرح في الكف!! يذبحني التصدع في كتف سيدة المدن.. هذا الكتف المنيع الذي حمل على كاهله من دون وهن عصورا زاهية وحضارات كبيرة تعدادها عشرة وأزيد!! ويذبحني كذلك يا ذات المجد والحضارة أنك لم تتسنمين بعدُ مكانك اللائق على قائمة التراث العالمي!! وإني أسأل وتسألين: ما “عذر” قائمة التراث الذي يحول دون تكريم القامة الحضارية والتاريخية الباسقة؟! هاه؟! ما هو “العذر” الواهي يا ترى؟!
لا تجزعي يا أم الحضارات.. والبطولات.. ففي الكثير من الحالات يكون الخلل في الميزان وليس في الموزون!! وهذه الحالة إحداها!
سلمت يا كرك التاريخ والحضارة.. وسلم خدك البهي!
سلمت.. وسلم كتفك المنيع الذي حمل الكثير من الحضارات من دون مِنّة وتحمل الأكثر من المتاعب والتضحيات من دون شكوى..
سلمت يا (خشم العقاب).. يا أنت يا صاحبة الهيبة.. “والهيّة” والمصطبة المقدسية..!
يا أنت.. يا ذات المجد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock