أفكار ومواقف

يتيم في الخمسين!

كنت انتظرتكَ طويلا على عتبة بيتنا القديم في جبل القصور، بفارغ الصبر، كي تحملني بين ذراعيك، وتأخذني إلى بقالة “أبو جعفر”، وتبتاع لي كيسا صغيرا من “القضامة”!
غير أني لا أعرف، على وجه التعيين، سر هذا الشعور الذي بدأ يساورني، فقد شعرت أنك لن تأتي بعد اليوم، وبأن أبو جعفر قد أغلق دكانه ورحل عن حيّنا إلى الأبد!
اليوم، تحديدا، أشعر أنني سقطت من بين ذراعيك في الشارع الكبير الضخم، وبأنني ضعت ولن أجد من يدلني عليك! على غرار ما حدث عصر ذلك النهار الشتائي الحزين، حين انفلتت يدي من يدك في السوق الكبير، وابتلعني الزحام، وما هي غير لحظات حتى كنت وسط غرباء من المارة يقتادونني في الشارع والحواري، ويهتفون بأعلى الأصوات: “طفل ضائع.. طفل ضائع”، وكنت أبكي بحرقة، حتى لمحت قامتك تلوح من بعيد، وتركض نحوي لتحضنني بلهفة من وجد كبده المفقود!
واليوم، أيضا، تنفلت يدي من يدك، غير أنني لا أجد من يقتادني، ويجوب فيّ الشوارع، مناديا: “كهل ضائع.. كهل ضائع”، ولا أنت تظهر لتعيدني إلى البيت؟
من منا الراحل بالتحديد، أنا أم أنت؟ صحيح أنني كنت أراك تنهار، رويدا رويدا، لكنني كنت أسبق خطواتك الوئيدة، لأبني لك جدرانا تستند عليها، مخافة أن نسقط معا!!
وكنت أسابق حبة الدواء لأهيئ لها ممرا إلى شرايينك خشية أن تضل طريقها، وأذوب مع الأمصال التي تهدر في أوردتك لأتأكد أنها بلغت الهدف جيدا، فهل تراني أخفقتُ هذه المرة؟
هل صار يتعين علي أن أصدق كل هذا الهراء الذي يقال عن الفقد الأبدي، والغياب السرمدي؟ وهل بات لزاما علي أن أبحث عن دار للأيتام تؤويني، أنا الذي دخلت مرحلة اليتم “المبكر” في الخمسين من عمري؟
هل يعني ذلك أنني أصبحت “حرا” بما يكفي لأنام قبل أن أحفظ “جدول الضرب”؟ وهل أصبح بوسعي أن أدخن في العلن، من دون أن أضطر إلى إخفاء سيجارتي خلف ظهري كلما رأيتك قادما من بعيد؟
وهل بات متاحا لي أن أتخفف من عناء مرافقتك إلى بيوت العمات والخالات والأصدقاء والجيران عند كل مناسبة، كي أتفرغ لمرافقة الأصحاب وحضور فيلم “أبي فوق الشجرة”؟
لم أنضج، بعد، جيدا، فلماذا تعجلتَ الرحيل؟ ولم أزل قابلا للانحراف وأحتاج تقويما!
وها أنا أتأخر عن العودة إلى البيت، إلى ما بعد منتصف الليل، ويحدوني الأمل بأن أجدك غاضبا لتخضعني لجلسة طويلة من التقريع والوعيد!
ثم إنني غير مهيأ لحمل ميراثك “الضخم” من الطيبة ونقاء السريرة، في عالم يموج بالزيف والمكر! ولا قدرة لي أن أعيد لك كرم برتقالك في “بيسان”!
أي إرث تركته لي ورحلت، أنا اليتيم على موائد اللئام؟ أما كان ممكنا أن تتريث قليلا كي تكمل رسالتك تجاه ولدك الكهل؟
صدقني لم أبلغ سن الرشد، بعد، ولم يشتد عودي، كي أواجه العالم من دونك، ولا قدرة لي على الحبو بغير أقدامك، ولا أقوى على الوقوف من دون قامتك، ولا حيلة لي على الكتابة بغير أصابعك!
تريث قليلا، فثمة طفل ما يزال يصطدم بالواجهات الزجاجية في الأسواق، ويسقط في مناهل المياه، ويقطع الشوارع من دون أن يتلفت يمنة ويسرة!
وثمة طفل هرب من المدرسة هذا الصباح لأنه لم يحفظ “راس روس”، والأرجح أنه يلعب “الطماية” الآن، في حارة “أبو عميرة”، ذلك الولد الضخم ذو البنطال المرقع من الخلف، واللعاب السائل، دوما، من منخريه، وأسنانه الأمامية البارزة فوق شفتيه!
وعلى الأغلب، أيضا، أن الطفل سيعود، مرتجفا، إلى البيت في موعد انتهاء الدوام المدرسي، ليكتشف أن خبر غيابه قد وصل قبله، وسيترقب الإخوة جميعا، “حفلة الشواء” المسائية التي ستقيمها أنت للطفل الغائب، بهذه المناسبة “الحارّة”!
أتراك أخطأتَ يا أبي، حين تركتني يتيما في الخمسين!

تعليق واحد

  1. >>>>>
    نشتاق لمقالاتك!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock