أفكار ومواقفالكتّاب

يحدث على كوكب آخر!

د. لانا مامكغ

سألته وهي منشغلةٌ بتوضيب العطور والكريمات في حقيبتها: « يقولون إنَّ نسبة الرّطوبة عالية هناك … « كان شارداً، فلم يجب، لتضيف: « علينا أن ننام مبكّراً حتى لا نتأخّرَ عن موعد الطّائرة « فأجابَ بلا اكتراث: « سآتي حالاً بعد أنْ أنتهيَ من ترتيب بعض الملفّات في المكتب».

ومضى يفتحُ أدراجَه، ويُقلّبُ في أوراقه الخاصّة، حتى وقعت بين يديه بعضُ الصّور العائليّة القديمة، فأمسكَ بإحداها وأخذَ يتأمّلها وهو يقولُ في سرّه: « رحمك الله يا أبي، كم كنت بسيطاً وعظيماً في آنٍ معاً…»

قام فجأة، ثمَّ عاد وجلس مطرقاً، واضعاً رأسه بين كفّيه ليُكمل: « كنت رمزاً في الإدارة الحكوميّة الأمينة الشّريفة النّزيهة، وهذا ما دفعنا ثمنَه نحن عائلتك، فكم عانينا لتأمين أقساطنا الجامعيّة، خاصّة أنا الذي اخترتُ الدّراسة في الخارج، والعمل الشّاق هناك، حتى أسدَّ التزاماتي، هذا في حين كان بإمكانك تأميني ببعثة كما يفعلُ غيرك من المتنفّذين، وكان يمكنك استغلالُ منصبك لتحقيق مكاسبَ خرافيّة، لكنّك لم تفعل، وغادرت الدّنيا وقد أورثتني سمعةً نظيفة، وبيتاً بالإيجار، ومكتبةً متهالكة!

أمّا أنا فقد عدتُ مسلّحاً بشهادةٍ ما، لأجدَهم يتلقّفونني كمخلوقٍ هبطتُ من السّماء، كان يكفي أنّي أحملُ اسمَك لأراني أتنقّلُ من منصبٍ رفيعٍ إلى آخر، وأستمتع بالنّفوذ والشّهرة والامتيازات والمهابة…

وأعترف لك أنّي لم أكن أنجزُ ما يستحقّ الذّكر في أيٍّ منها، إذ لا أنسى أنّهم اختاروا لي ذات مرّة موقعاً لم يعجبني، فلم أداوم، وقضيتُ وقتي في الحضور الشّكلي لمؤتمرات دوليّة هنا وهناك، والاستفادة من المياومات… رغم ذلك، سرعان ما كوفئتُ بمناصبَ أخرى، وهنا أنا على وشك المغادرة لاستلام موقعٍ مرموق في دولةٍ أجنبيّة باهرة!

وأعترفُ لك أنّي استفدتُ ماديّاً من كلِّ مكان حللتُ به، هل تراني فاسداً أيّها العظيم؟ الأمورُ ليست بهذه الحديّة، بعض « التّنفيعات» كان لها مبرّراتها المنطقيّة، فما لا أقتنصه بذكاء سيذهبُ لغيري، ثمَّ إنّي، وبحنكةٍ مكتسبة، تعلّمتُ ألّا أترك آثاراً ورائي في كلِّ ما أقترف من تجاوزات، وإن كنتُ لا أملكُ مبرّراتٍ مقنعة لامتلاكي بيتاً باذخاً، وبضع عماراتٍ تجاريّة، وقطعاً واعدة من الأراضي الجاهزة لاستثماراتٍ ضخمة!

الخُلاصة يا أبي أنَّ ذلك كلّه لا يُشعرني بأي تميّز، وأكادُ أعترفُ لهم، أكادُ أصيحُ أحياناً أن يكفّوا عن الاحتفاء بي لأنّي ابنك، فأنا لا أشبهكَ أبداً، وأدركُ أنّي لم، ولن أرقى إلى عظمتك يوماً، بل سأبقى صغيراً مهما أوهمتُ نفسي بغير ذلك، فسامحني أيّها الحبيب، وأحسبُ أنَّ عقابي هو في هذه الضّآلة التي أشعرُ بها كلّما تذكّرتك…

المقال السابق للكاتبة

الحفيدة

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock