;
أفكار ومواقف

يصنعون الفرق

لا يمكننا أن ننتظر مئات السنين، ولا حتى عشرات السنين، كي نصنع لأنفسنا سياقاً تاريخياً كالذي عبرته الأمم الأخرى التي تكرّست عندها قيم المدنيّة والمواطنة، كي تصير تلك القيم موجودة في الممارسة المجتمعية اليومية، فضلاً عن وجودها في نصوص القانون التي يحترمها الناس، ويعملون بها.
لا يمكننا، ولا نستطيع، لأن العالم تجاوزنا بمراحل، وبتنا كأننا “خارج التاريخ”. لذا، فنحن مضطرون إلى “حرق المراحل” إن أردنا المشاركة في الحضارة الإنسانية المعاصرة، بمعناها القيمي الذي يوفر للفرد شعوره بإنسانيته، بما في ذلك الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص، ومجمل حقوق الإنسان التي تنعم بها أمم الأرض المتحضّرة.
وظنّي أن المسألة متعلقة أولاً بفكرة “الوطن” نفسها، وهي إشكالية تعيشها المجتمعات العربية منذ تأسست “الدولة العربية المعاصرة” عقب الحرب العالمية الثانية، وزوال الاستعمار العسكري المباشر، وملخصها أن “الناس” (لا المواطنين) ينظرون إلى “بلدانهم” (لا أوطانهم) باعتبارها كعكة يتقاسمونها، على أساس المحاصصة، الطائفية أو القبلية أو المناطقية، لا باعتبارها وحدة واحدة ينعمون جميعهم بما فيها على أساس التكافؤ في الحقوق والواجبات، فيكون من مصلحتهم الحفاظ على “ما فيها” من ممتلكات عامة، وخيرات، وموارد.
هكذا، تكون ثمة حاجة مبدئية لتكريس فكرة التشارك في “الوطن”، باعتباره واجباً، لا مكاسب فردية مباشرة تُرتجى منه. وقد لفت انتباهي خلال أعمال “المؤتمر الثاني لمدينة عمّان” الذي انعقد على مدار خمسة أيام من الأسبوع الماضي، في مركز الحسين الثقافي التابع لأمانة عمّان، أن شباباً في العشرينيات من أعمارهم، يقدمون هذه الأيام مبادرات تطوعية عظيمة في خدمة المجتمع، لا ينتظرون منها حمداً ولا شكوراً، ما يعكس حسّهم الوطني العالي، وانتماءهم الحقيقي لهذه الوحدة الواحدة التي يعرّفونها “وطناً”، لا كعكة يريدون منها حصة على أساس انتمائهم العرقي الذي لا فضل لهم فيه، كما يفعل آخرون: نسمع ضجيجهم، ولا نرى منهم طحناً!
من هذه المبادرات، “بنك الطعام”، وفيها يجمع شباب في مقتبل العمر الأكل الفائض من الفنادق الكبرى، ويوزعونه مباشرة على العائلات المحتاجة، وفق عمل مؤسسي حقيقي بعيد عن الارتجال، حيث اتخذوا لأنفسهم مراكز توزيع في الأحياء، آخذين باعتبارهم قواعد التغذية السليمة في توزيع الطعام، فضلاً عن القواعد الصحية في حفظه وتغليفه ونقله. فهل نملك إزاء عمل تطوعي كهذا، يسد حاجة المحتاجين، ويحول دون إهدار الطعام، إلا أن نشعر بالفرق الذي يصنعه هؤلاء الشباب تجاه “الوطن”، الذي يمارسون الانتماء له بصمت وهدوء وزهد بالأضواء؟!
هؤلاء الشباب لا يطلبون دعم أحد، فهم قادرون على العمل بمفردهم، وإن كانت مشاركة جهات أخرى لهم ستمكّنهم من تعزيز دورهم. أقترح أن نفكر بطريقة أخرى سوى مساندة هؤلاء الشباب مادياً، بالمال أو التجهيزات، إن كان ثمة من سيفكر بطريقة الدعم هذه، وذلك بأن نسعى إلى تشجيع فكرة المبادرات التطوعية نفسها، بخاصة بين الشباب، لا بغرض خدمة المجتمع وحسب، على أهمية ذلك، وإنما كي نطوّر فكرة “الانتماء” لدى الشباب، بخاصة هؤلاء الذين ينفقون جهدهم هذه الأيام في العراك، كما يحدث في الجامعات، بشكل يعكس تشوّش فكرة الوطنية عندهم، وارتباكها.
عيلنا أن نقول لهم: إنه لا مشاعر وطنيّة حقيقية ما لم تكن تدفع صاحبها للبناء. لا يكفي أن تشعر بحب وطنك، إن لم تترجم ذلك الحب في فعل يخدم الناس، ولا تنتظر منه مكسباً أو مصلحة. لكن علينا أن ندرك أيضاً أن الخدمة التطوعية المفيدة، لا يجوز أن تكون إكراهية أو إلزامية، لأنها ساعتها ستكون بمثابة واجب ثقيل الظل، لا يصنع فرقاً، ولا يترك أثراً عميقاً يمكث في الأرض.

[email protected]

تعليق واحد

  1. وطنية العالم الاول
    طبعا لن أختلف معك بما ذكرته عن المسافة الضوئية التي تفصلنا عن العالم الاول من ناحية التطور المؤسسي ومعايشته واقعا يوميا أكثر منه قوانين وأنظمة.. وإنما ربما اختلف معك بمسببات ذلك، فمن وجهة نظري أن الفارق الذي بدأ واتسع كل هذا الاتساع بيننا وبينهم على مدى ربما ثلاثمائة سنة ليس وطنيتهم وانتمائهم (لأوطانهم)، بقدر ما هو شعور المواطن لديهم بأن ما يقدمه أو يبذله يصنع فرقا له شخصيا قبل أن يكون فرقا لبلده، وعلى ذلك بنيت الحضارة الغربية الحديثة. وبالمناسبة، لا يفهم من كلامي تقليلا أو سلبية لانجازهم، بل بالعكس، فقد استطاعت تلك الدول انصاف المواطن الفعال والمخلص… بعكسنا تماما.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock