تحليل إخباري

يمين صهيوني يلبس جلدنا

معاذ الدهيسات

لطالما كان الحديث عن الجغرافيا السياسية للأردن نقطة ضعف في بناء الهوية الوطنية نظرا لتجذر الرواية اليمينية الصهيونية التي ترى ان ولادة الأردن الحديث هو صناعة مفبركة، ورواية الدولة المصطنعة هي ذاتها وبدون اي غرابة حملتها الجهات التي حاولت اسقاط الأردن الدولة فسقطوا جميعا وبقيت المملكة الأردنية الهاشمية .
رواية الكيان الوظيفي يعاد تدويرها اليوم وبأدوات عصرية تلبس جلدنا وتوجب علينا وضع السؤال أمام الوزارات المسؤولة لمعالجة هذه الثغرة في التلاعب بالتاريخ والمفردات التي لم يعد سرا بأنها باتت معبرا لكل تجار الدين والدم في التجنيد العابر للحدود، فنحن اليوم امام فرصة تاريخية تتلخص بامتلاكنا لكل أدوات بناء المحتوى الإلكتروني الذي بات المرجع الرئيس لهذه المعركة.
يصر رواة قصة الأردن على إرفاق الأردن إلى اشكال هندسية جغرافية محيطة بنا بشكل مجحف ومهين يجعل تاريخنا مجرد فقرة في كتاب الآخر، ولطالما استغل الآخر هذا التلاعب في التاريخ لتحقيق مصالحه على حساب أولويات الأردن، هذا الضعف بتقديم سردية الأردن يجعل ابناءنا مجردين بلا أي سلاح ولقمة سائغة في معارك الأدلجة والتجنيد التي تحكم نمط الهيمنة الحديث في بناء الولاءات الشبكية، بحيث يسهل ضمن هذا الضعف أن تغسل أدمغة الجيل بمجرد اقناعهم أنهم مجرد أتباع لخرائط سايكس بيكو.
وهنا مفتاح الاستدراج لذات الفئة التي ستشكل مستقبل الأردن ويجري استقطابها إلى مستنقعات اعمق حول مفاهيم تشكل الدولة الحديثة، حيث لا تدرج المناهج الأردنية السياق التاريخي للأحداث مما يجعل لي عنق الحقائق أمرا بسيطا فتتحول دروس التاريخ الوطني في مدارسنا إلى سكاكين في ظهر المملكة، مناهج خفية تتغلغل وروايات خرافية تتحول لمسلمات لا يمكن دحضها ولم يسلم أردني واحد من فتنة هذا التلاعب الممنهج بالرواية السردية الوطنية المتروك بناؤها لفصائل سياسية عابرة للحدود لا تجرؤ على فضح تاريخ المستوطنات اليهودية التي غرست في عهد السلطان عبدالحميد مثلا أو غيرها من الجرائم.
سيطر الكهنة على منظومة الحياة السياسية في أوروبا فترة عصور الظلام وكان الكهنوت يفرض سطوته كوسيط وحيد بين البشر والإله وانشطرت اوروبا إلى قطبين بروتستانتي وكاثوليكي وطحنت رحى الحروب الدينية ملايين البشر في معارك لم تقتصر على تصدير الحملات الصليبية ذات الجذر الاقتصادي والغلاف الديني إلى خارج اوروبا بل حروب لا تبقي ولا تذر بين الممالك والامبراطوريات داخل القارة العجوز، تم حسم كل هذا التاريخ في وستفاليا (1648) حيث وضع شاهد قبر لهيمنة الكهنوت وبدأت فكرة الدول الوطنية تبرز، دفعت أوروبا ثمن تقدمها باهظا ونضجت التجربة حين وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها ضمن بناء الأمم المتحدة.
مررنا كأردنيين بهذا السياق التاريخي حيث فرض علينا احتلال كهنوتي غاشم استمر لأربعة قرون تحت غطاء ديني تم خلاله تجيير تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا لصالح المحتل، خاض خلاله الأجداد العشرات من الثورات منذ اليوم الأول للاحتلال فلم تكن المعاناة الأردنية مرتبطة بصعود ما عرف بالاتحاد والترقي، بل عانوا من اربعمائة عام متواصلة من القتل والتدمير والنهب باسم الدين وكانت ثورات اجدادنا التي لم تنقطع طوال الاربعة قرون دليل الرفض التاريخي لوجود المحتل.
يخضع تعليمنا للدعاية الاعلامية المضللة التي يحكمها الكهنوت والتي في نصلها الآخر تطعن الثورة العربية الكبرى التي كانت نتاج تلاحم الحلم الوطني مع القيادة السياسية الهاشمية، فترة لو قدمت لأبنائنا في سياقها لأصبحت مواجهة ادوات اليمين الصهيوني ومشاريع الأنظمة الدينية الإرهابية العابرة للحدود المتوافقة معهم أكثر سهولة.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock