أفكار ومواقف

يوميات كورونا

نحاول التكيف مع الوضع الجديد المفروض علينا. نقفل أبوابنا، ونجلس مع بعضنا من الصبح وحتى موعد النوم. نتصرف كعائلة من جديد.
الوضع لا يكون مثاليا كما تبديه الكلمات، فالهواتف الشخصية في أيدي الجميع، ما يفرض عزلة ثانية في كثير من الأحيان. الهواتف تبدو مهمة في هذه المرحلة، فهي نافذتنا إلى العالم، ونحاول من خلالها تسجيل السبوقات في نقل آخر الأخبار، وآخر النكات التي تجعلنا ننخرط في الضحك الهستيري بين فترة وأخرى.
لكنه ضحك المتوجس الذي لا يتيقن من الخطوة التالية!
ثمة قلق خفي لا يريد أحدنا أن يبوح به للآخرين. جميعنا نخفيه، وكأنما نحن نؤمن بأن الحديث عن هواجسنا تلك يجعلها قابلة أكثر للتحقق.
العطلة الإجبارية والعمل من البيت، فرضا علينا ممارسة الاسترخاء الإجباري، وأن نمد تفكيرنا نحو المستقبل الغامض. هل ثمة مستقبل أكيد لنا.. أو للبشرية جميعها؟! ماذا لو كان هذا الفيروس هو رصاصة الرحمة التي سوف تطلق على قلب البشرية ليخلصها من عذاباتها، ويقيم العدل المفقود على مدار قرون بين قارات لعبت دور العبيد، وأخرى اختصت بدور الأسياد؟!
تتبرم ابنتي طوال الوقت، فهي تعتقد بأن ثمة عدالة غائبة في هذه السنة الدراسية التي لم تسر كما جميع السنوات السابقة. هي ستخضع لامتحان الدراسة الثانوية العامة “التوجيهي”، غير أنها تلفت إلى أن العام الدراسي بدأ بإضراب للمعلمين، وما تبعه من تعطل طويل للدراسة، ثم القرارات المرتبكة العديدة لوزارة التربية والتعليم، وها هي الدراسة تنقطع من جديد بسبب فيروس كورونا الذي يفرض إيقاعه علينا، ويجبرنا على هجر مقاعدنا في المدارس، لكي نتلقى التعليم عن بعد من بيوتنا.
نتلهى بما في أيدينا من أشياء، ونحاول أن نجر الحديث نحو ما الذي سوف نأكله غدا، أو اقتراح مشاهدة فيلم ما. لكن “نتفلكس” تشتت شمل العائلة من جديد؛ إذ يجلس كل واحد منا إلى هاتفه ويتابع فيلما أو مسلسلا مختلفا.
مع مرور الساعات، أكتسب عادات جديدة؛ إذ من جديد أجرب شرب الشاي الذي هجرته منذ أكثر من عشرين عاما. لا بأس بالتجربة، فهي تعيد إلى الذاكرة صورا من الماضي حيث شتاءات قديمة، ولمة العائلة في القرية حين كنا نسخن الخبز فوق مدفأة الحطب، ونأكل الزيت والزعتر مع الشاي.
في المساء، تدهمنا العديد من الفيديوهات التي تصور آلاف الأردنيين الذي يوجهون تحية إلى الجيش الذي نزل إلى الشوارع. نشعر بالزهو كون جيشنا مختلفا، ويحظى بالحب والاحترام من الشعب، فننام على وقع التفاؤل.
في الصباح.. صوت يشبه النحيب يتصاعد في الأفق. نقوم مفزوعين بلا ذاكرة، فنكتشف أنها صفارات الإنذار تعلن بدء سريان حظر التجول. تمر لحظات ونحن متسمرون أمام النوافذ المفتوحة محدقين في الخارج، وكأنما نريد مشاهدة هذا الصوت الغامض الذي نختبره للمرة الأولى. تحتشد عشرات الصور والأحداث في ذاكرتنا التي تمددت لتكشف لنا شريطا كاملا للحياة المتقلبة.
ترى، ما الذي سوف نختبره بعد هذا الصوت الغامض الحزين؟!
نريد أن ننسى أننا ممنوعون من الخروج، فنقترح أن نواصل نومنا. لكن حزنا كبيرا يمنعنا من ذلك. نتذكر أنه عيد الأم، وأن لنا أحبابا لا بد من معايدتهم، حتى من بعيد. نمسك هواتفنا، ونرسل رسالة إلى الأعزاء، متمنين لهم حياة سعيدة مطمئة.
في المساء، مزيد من الأخبار غير السارة. تسجيل إصابات إضافية. إحداها في منطقة لا تبعد كثيرا عن مكان سكننا. يا إلهي، أإلى هذا الحد يقترب الوباء من مكان انتظارنا!! هل نحن من ينتظر حضوره، أم أنه يتربص بنا.. يحاصرنا ويلعب بأعصابنا!!
لكنك تفكر في أمر آخر؛ أولئك المحجور عليهم في الفنادق. أكثر من خمسة آلاف شخص. كيف يتصرفون الآن؟ كيف يشعرون وهم يحسبون احتمالات إصابتهم، ويفيقون كل صباح ليختبروا أنفسهم، باحثين عن أعراض يرجون أن لا تظهر، وحين يكتشفون خلوهم منها، تراودهم أحلام الخروج من جديد.
ينتهي يوم أول من حظر التجول، لكن الخيالات السوداوية لا تنتهي. ننام ونحن نفكر في جميع نتاجات السينما التي قذفت في وجوهنا جميع الخيالات المريضة لكتاب ومخرجين. نفكر أيضا في شكل اليوم التالي، وما الذي سيحمله معه من آمال!!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock