آخر الأخبار حياتناحياتنا

“يوم الدين”… الواقعية في السينما تجمل حياة المنبوذين!

المخرج أبو بكر شوقي لـ "الغد": الفيلم يحمل في طياته بعدا إنسانيا عميقا

إسراء الردايدة

عمان- في فيلمه الروائي الأول “يوم الدين”، اختار المخرج المصري أبو بكر شوقي أن يحكي عن طبقة مهمشة منبوذة منسية من المجتمع، وبنفس الوقت اختارها ليعكس الطريقة التي ينظر بها الناس لبعضهم البعض، وكيف تكون السعادة خيارا برغم قلة مايملكه الفرد، فالأمر يرتبط بالطريقة التي يُنظر بها للأشياء.
أحداث الفيلم تدور حول رحلة على الطريق لرجل يدعى بيشاي (راضي جمال) في منتصف العمر، ترعرع داخل مستعمرة للمصابين بالجذام. وبعد وفاة زوجته المصابة هى اﻷخرى بذات المرض، يغادر هذه المستعمرة وينطلق برفقة صديقه النوبي أوباما (الطفل أحمد عبد الحافظ ) وحماره خلال رحلة عبر مصر في محاولة لمعاودة الاتصال بعائلته من جديد بهدف الوصول إلى قريته في محافظة قنا.
اختيار المخرج شوقي للحديث عن مرضى الجذام والمستعمرة التي يسكنونها، لم يأت من فراغ؛ كما قال في مقابلة خاصة لـ “الغد”، بل يعود لعمل أنجزه قبل عشر سنوات حين قام بتنفيذ فيلم وثائقي بعنوان “العودة”، وعاد ليكمل ما بدأه بعد ان اكتشف فيه ما يجعله عملا سينمائيا يحمل في طياته مغامرة ورحلة وبعدا إنسانيا.
لذلك جاء اختيار (راضي جمال) ليكون الممثل الرئيسي بحسب شوقي، والذي يتميز بشخصيته المرحة، فضلا عن كونه حقيقيا، ويمتلك طاقة كبيرة ويفهم القصة ويجسد الحالة بذات الوقت.
ممثلون غير محترفين لبعد واقعي
مؤخرا تشهد السينما العربية ارتباطا كبيرا في السينما الواقعية، من خلال الاعتماد على ممثلين غير محترفين ما يشكل في أغلب الاحيان تحديا كبيرا للمخرج وحتى يستهلك جزءا من ميزانية الفيلم. وفي “يوم الدين” اختار شوقي الممثل بدور بيشاي، ومنح الفيلم بعدا انسانيا سيما وانه مستوحى من قصة حقيقية ابطالها حقيقيون.
بيشاي خضع بحسب شوقي، لورش تدريب في التمثيل لفترة لاتقل عن اربعة شهور، جعلته قادرا على التعامل مع الكاميرا وسيناريو الفيلم واضاف الكثير له.
وهو ليس الفيلم الوحيد فهنالك فيلم المخرج الأردني ناجي ابو نوار “ذيب” الذي اختار ايضا ممثليه من المنطقة التي صور بها الفيلم واستغرق ذلك ستة شهور ليدربهم على التمثيل والتعامل مع الكاميرا، وفهم النص والتفاصيل الاخرى قبل ان يبدأ التصوير، وفيلم “كفر ناحوم” كذلك، لمخرجته اللبنانية نادين لبكي، إذ كان البطل لاجئا سوريا هو زين.
عنصر التمثيل أهم العناصر الفنية في الفيلم، وهنا في يوم الدين تعامل شوقي مع عديد منهم هم أسامة عبد الله الشهير ومحمد عبد العظيم، وشهاب إبراهيم.
شخصية البطل بيشاي في “يوم الدين” الذي يعاني من الجذام وتعافى منه، بقى يعاني من الندوب، وهذا ما أضاف لحضوره على الشاشة عمقا وواقعية، وخرج بمستوى عال نظرا لأن الفيلم يعتمد عليه بشكل كبير على عنصر “دراما الشخصية”.
رحلة بصرية
ينتمي الفيلم لنوع “أفلام الطريق”، كونه يتناول رحلة بحث بيشاي عن أهله وانتقاله من مكان لآخر، وهنا في “يوم الدين” تعددت الطرق والتي سلكها البطل وحتى الوسيلة.
التجربة البصرية هنا ارتبطت بالمواقع التي صور بها الفيلم، بالتفاصيل التي حملت مشاهد بيشاي وهو يجر عربته بجانب نهر النيل، بالحياة الريفية البسيطة وبذات الوقت في النظرة التي يوجهها الناس لمن هم مثله.
نظرة لا تخلو من الخوف وعدم الفهم بدءا من قرار والد بيشاي بتركه على باب المستمعرة وهو صغير وصولا للطريقة التي ينظر بها الناس لوجهه، نظرات الخوف وحتى الاشمئزاز أحيانا، فهنا الثقافة الشعبية التي تكونت عن مرض الجذام وعدم فهم تفاصيله بانه بعد الشفاء منه لا يعود معديا لكن ندوبه غير قابلة للعلاج.
المحيط الذي انطلق من المشهد الافتتاحي لبيشاي في مكب للنفايات على حافة الصحراء بالقرب من المستعمرة التي يعيش بها؛ يبرز العزلة التي يعيشها من هم مثله، او مختلفون عن البقية، وصولا للخطاب نفسه في الجمل الحوراية الذي كتب السيناريو له أيضا ابو بكر شوقي، فكانت تدلل بمعناها بأن من هم مثل بيشاي “مختلفون” ومريضون وأقل شأنا.
ويبين شوقي أن التقاط واقع الحياة التي يعيشيها بيشاي، وتحويلها لفيلم لم يكن بالأمر السهل بل استغرق تطويره فترة زمنية طويلة إلا أنه استحق العناء، وبات اليوم بيشاي شخصية منفتحة ومحبوبة يدير عملا خاصا به، كما وسافر لعدة دول عربية وكون صداقات مع الجميع.
وهنا الفيلم يرتبط بشكل أكبر بالعلاقة الأبوية التي نشأت بين بيشاي والطفل أوباما في رحلتهما للبحث عن ذاتهما التي عثرا عليها في المستعمرة ومع بعضهما بعيدا عن العالم الخارجي.
وان لم يخل الفيلم من لحظات ميلودرامية كما في مشاهد ركوبهما في عربة القطار، واخرى في خوف بيشاي من مواجهة اهله والحوار الذي كاد يخلو من المشاعر عندما التقى بأخيه، فالواقعية هنا ارتبطت بانطباعات واحلام بيشاي بأن يجد ترحيبا من أهله وينتمي اليهم، لكن الواقع الحقيقي اصعب من ذلك بكثير وربما أكثر قساوة أيضا.
وعن التحديات في صنع مثل هذا النوع من الأفلام لفت شوقي إلى أن العمل استغرق وقتا في التصوير للحصول على تمويل سيما وأنه فيلمه الأول، والقصة بحد ذاتها لم تكن سهلة، ولكنها جريئة، فهو فيلم ينتمي لأفلام الطريق وايضا فيلم اجنبي (غير ناطق بالانجليزية).
“يوم الدين” الذي عرض في عمان بتنظيم من استديوهات ابو لغد والهيئة الملكية للأفلام وفيلم كلينك، يحمل رؤية بصرية فنية للمشاهد الباحث عن السينما غير التقليدية، وهو ما جعله ينال جوائز عالمية بدءا جائزة “فرانسوا شاليه” للأعمال التي تكرس قيم الحياة والصحافة بمهرجان كان السينمائي الدولي في دورته الـ 71 ، وجائزة “سينما من أجل الإنسانية” وافضل فيلم عربي في الجونة، فضلا عن التانيت الفضي في ايام قرطاج السينمائية.
تركيز شوقي كان أكبر على المشاهد التي تثير العواطف بين الأشخاص، بشاعرية وانسانية تمتزج فيها مفاهيم الصداقة من جهة وتعاطف مؤلف الفيلم ابو بكر شوقي مع البطل، فالكاميرا دائما تقف قريبة من بيشاي وملامحه القاسية التي جعلت البعض يلقبونه ب “الوحش”، وطريقة امساكه للأشياء، فهو شخصية قوية تحدت وضعها وثابرت لتعيش.
الصورة في “يوم الدين هي الوسيلة واللغة الأبلغ بعيدا عن الحوار في رسم تفاصيل الرحلة، مسلطة الضوء على محيط المدن والقرى المصرية بجمالها وقساوتها، ليقطع بيشاي الطريق من الشمال للج؛نوب بحثا عن منزل لم ينتم إليه قط.

 

المخرج أبو بكر شوقي – ا ف ب
لا يجوز دون الحصول على إذن خطي من الناشر استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كلياً أو جزئياً بأي شكل وأي وسيلة تحت طائلة المسائلة القانونية. ويسمح استخدام المواد الإخبارية فقط شريطة ذكر الغد بوصفها المصدر.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock