أفكار ومواقف

يوم سبت سبات

في نيسان (أبريل) 1948، كانت مجزرة دير ياسين الصهيونية ضد الفلسطينيين. الفكرة بسيطة: مجزرة تؤدي إلى صدمة ورعب وهروب.
في العام 2007، أصدرت الكاتبة الكندية نعومي كلاين، كتابها “عقيدة الصدمة”. ومحور الكتاب أنّ تجارب أجريت في المختبرات، في الخمسينيات، لصالح أجهزة مخابرات غربية، عن أثر إحداث الصدمة صعقة كهربائية على عقل الإنسان، وتهيئته لتقبُّل أفكار واتجاهات جديدة في حياته. هي نفس فكرة توجيه صفعة لشخص حتى يتوقف ويُغيّر اتجاهه. ويُظهر الكتاب كيف أيّد علماء اقتصاد شنّ حروب وحملات إرهاب من قبل حُكام ضد شعوبهم، كصدمة تهيئهم لتقبل أفكار السوق الحرّة.
تحول الكتاب إلى فيلم، تقول الكاتبة في مستهله: “حالة الصدمة ليست فقط ما يصيبنا عندما يحدث شيء سيئ، ولكن هي عندما نفقد قصّتنا وروايتنا، ونصبح من دون اتجاه محدد. وما يحمينا من هذه الحالة هو التاريخ. لذا عند الأزمة، من الجيد التفكير في التاريخ”.
بعد عودة محمد أبو هلال (أبو نسرين) مطلع التسعينيات إلى عمّان من الكويت، حيث كان يغني مع فرقته “ترشيحا”، غنى مع فرقة الحنونة، ثم البيدر، ومن أشهر أغانيه “يويا”، وتقول: “يوم سبت سبات، إجوا الخواجات، أخدوا حارتنا، كسروا لعبتنا، دواليب الدم، موت عم وطم.. يويا”.
في الجزء الشرقي من القدس، دخل الشّبان بعد احتلال العام 1967 دوّامة نقص الحرية، ونقص العمل والتعليم. هذه دوامة جسّدها عارف الحسيني في روايته “كافر سبت”؛ عن شاب من عائلة مرموقة يشتغل في أعمال هامشية رغم ثقافته وتعليمه، مُتعرضاً لكل الأمراض الاجتماعية. وكان أحد الأعمال خدمة اليهود المتدينين الذين يمتنعون عن أشياء كثيرة يوم السبت، ومن ذلك إشعال ضوء البيت أو جهاز تكييف أُطفئ عرَضاً، ولكنهم يستعينون بشخص غير يهودي (بالعبرية: غوي) للقيام بالمهمة مقابل أجر، ويُسمّى (غوي شبات)، وأسماه الحسيني تندراً “كافر سبت”؛ حيث يُلمّح له اليهود تلميحاً عن حاجاتهم، فيتظاهر أنّه أتي صدفة ويؤدي المطلوب.
كما دائماً يتحول “رمضان” لدى الأطفال إلى شهر المغامرات، يسمح لهم الأهل فيه بالبقاء خارجاً طويلاً، فتصبح متعة حرية الحركة ليلاً معادلة لتعب الصيام نهاراً، هكذا كان محمد أبو خضير في شعفاط، قبل أيام، يعيش رمضان؛ يتعلّم صَنعَة الكهرباء، فيسهم في تزيين الحارة.
كان الشارع رمضانيّاً: فتاة يافعة من العائلة، هاجر أجدادها إلى الولايات المتحدة، تزور البلاد لأول مرة، تتعلم اللغة العربية. كانت تتجول مع باقي بنات وأبناء العمومة. وفي الحي كذلك طارق، ابن الخمسة عشر عاماً، من العائلة نفسها، يدرس في إحدى مدارس فلوريدا، في الولايات المتحدة.
عندما مرت الفتاة قرب محمد تلك الليلة، كان مع رفيقه يجلسان على الدرج، يلعبان بهواتفهما لعبة مشتركة على شبكة الإنترنت، ثم تَسحَّرَ وشرب ماءً، وجلس على درج دكان ينتظر رفاقه للذهاب إلى صلاة الصبح. والصلاة لشبان في عمره بعد سهر ليلة كاملة فيها السمر واللعب، تصبح جزءاً من طقس رمضان وروحانيته وجماله. ولكن “الخواجات” جاؤوا؛ تجاوزته السيّارة قليلا، ثم عادت. تظاهروا أنّهم يسألونه عن الطريق، خاطبوه “مرحبا حبيبي…”، ثم اختطفوه. وبعد ثلث ساعة أُحرِقَ حيّاً في غابة أرض المجزرة-الصدمة، دير ياسين.
تم الحصول على تصوير للشرطة الإسرائيلية وهي تضرب طارق الآتي من فلوريدا، بشكل وحشي بعد مقتل محمد.
نعم “المجزرة بتهزّ حتى الموت”؛ جاء “خواجات سبت سبات” لذبح شهر رمضان وما فيه من صلاة ولعِبٍ وسمر، ولذبح من منعوهم من التعليم والعمل وشغّلوهم “كفّار سبت”.
ولكن أصحاب عقيدة الصدمة قد يُفاجأون؛ أليس المقصود أن يَهربوا، كما هربوا يوم دير ياسين؟ ماذا يحدث؟ بعد عُقودٍ من الهجرة، يعود إلى الحي بنات وأبناء العائلة، فتقع الواقعة بحضورهم، وسيذهبون ويَحكون، وسيعودون.
عشرات الآلاف يأتون للجنازة والعزاء.
أي عبقرية دفعت أم الشهيد أن تلبس ودموعها لم تكفكف، ومعها صورة ابنها الشهيد، ثوباً مطرزاً بالنقوش الكنعانية، بألوان تعود إلى زمن اكتشاف الألوان في عسقلان قبل آلاف السنوات؟ هل استمعت إلى نعومي كلاين؟ بالتأكيد لا. ولكنها عادت للتاريخ وحشدت آلاف السنوات في ثوبها، وأعلنت نيابة عن شعب كامل كَلمة يسمعها ويفهمها من يؤمن بالشعب، لا المصابون بالصمم الوطني.

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock