آخر الأخبار حياتناحياتنا

‪ غياب القناعة والرضا.. حينما يتسبب بـ”إرهاق” للنفس

رشا كناكرية

عمان- تلك المقولة الحاضرة دائما بحياة الأفراد بأن “القناعة كنز لا يفنى”، لعلها أصبحت “غائبة” في حياة العديدين، فلا شيء يشبع “رغبات” متغيرة من ساعة إلى أخرى، لتصبح الكثير من الأشياء بالنسبة لهم بلا قيمة! فقدان هذه الصفة أدخل البعض في عالم من المنافسة الشديدة، وفقدان شعور الاستمتاع باللحظة أو الحدث، وأصبحت فرحة الإنجازات آنية.. هذا إن شعروا بها.
وبالرغم من إنجازات أمير (30 عاما) وتقدمه في حياته المهنية، إلا أنه يشعر بأنه لم يحقق شيئا مهماً حتى الآن، مقارنة مع من حوله، إذ يفتقد شعور الرضا الداخلي عن حياته، ويقول “ما يزال أمامي بعض الأمور لأنجزها لأصل لهذا الشعور”.
وتقارن تسنيم (28 عاما) حياتها بحياة صديقاتها، وتعتقد أنها لم تحقق شيئا، فعندما تنظر لإنجازتهن وحياتهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يراودها شعور بخيبة الأمل وعدم الرضا. ودائما ما تفكر في طريقة لتصل لما وصلن إليه، وتقول “أنا لا أغار منهن.. ولكن لماذا حياتي ليست شبيهة بحياتهن”، وعليه يتسلل لنفسها حالة من الحزن والتفكير المستمر الذي لا نهاية له، حسب وصفها.
اختصاصي علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع، يبين أن الإنسان بطبعه شغوف ودائما يبحث عن الأفضل، وعندما يمتلك شيئا يشعر بتجدد رغباته بأمور أخرى.
وأبسط مثال على ذلك؛ الطالب الذي يمتلك الطموح والأحلام لتحصيل الشهادة الجامعية، وعند حصوله عليها يشعر أن شغفه وطموحه تعدا هذا الموضوع.
ويوضح جريبيع أن الكثير من الأشخاص فقدوا القناعة بما يملكون، بل وينظرون للأشياء التي بيد الآخرين، وهنا تكمن المشكلة، مبينا أن كل مرحلة تفرض قناعتها واحتياجاتها، لكن في السنوات الأخيرة ومع تسارع العصر وتطور التكنولوجيا “فقدنا القدرة على معرفة الأولويات وما يشكل لنا الرضا”.
ومن جهة أخرى، فإن العلاقات الاجتماعية بين الناس تضررت وأصبح فيها نوع من البعد والجفاء، ولم تعد كما كانت، فقد كان يحكمها الكثير من الروابط، وفق جريبيع.
ويوضح أن العلاقات الإنسانية في كثير منها قائمة على منافع متبادلة، ومفهوم المنافسة أصبح هو الطاغي، فقد يرى الإنسان شخصا مقربا منه يعيش حياة ناجحة ويصبح يفكر لماذا لا أفعل مثله، ولماذا لا أصل لما وصل إليه، ويبدأ عملية البحث عن أدوات وآليات لتحقيق ذلك.
ويتابع “الإنسان بداخله جملة من التناقضات، مع غياب القناعة؛ فأصبحنا ننظر للآخرين ليس كمكملين لنا بقدر ما هم منافسون، ومعيار تقدمنا ومعيار الرفاهية والسعادة بأن نفعل مثل الآخرين وكأننا في سباق مع أنفسنا، فكل ما تحقق شيء لا نشعر بقيمته ونريد المزيد”.
وينوه جريبيع إلى أن البعض لا يملك “ثقافة الاستمتاع بالحياة مثلما يفتقد ثقافة التعبير عن المشاعر”، كما أن غياب الرضا يخلق في المجتمع نوعا من التفكك الاجتماعي وحالة من غياب التوافق والاندماج الاجتماعي.
ويعتقد جريبيع أن الحل هو في “البناء من الأساس”، وذلك بتوعية الأبناء بمفهوم السعادة والرضا والاكتفاء الذاتي، وإعادة العلاقات الاجتماعية لإطارها الأساسي الذي يقوم على التكامل، وأن الأمر الذي تفقده أنت يغطيه غيرك.
ويذهب اختصاصي علم النفس الدكتور علي الغزو، إلى أن الأغلبية قد يشعرون بغياب القناعة والرضا، سواء كان موظف قطاع عام أو خاص، حتى الأشخاص العاديون قد تكون نظرتهم لنسبة إنجازاتهم لا تقدير لها، وتختلف الأسباب أحدها العوامل الاقتصادية والاجتماعية فهي تلعب دورا كبيرا.
والبعض ينتظر المقابل لإنجازه وقد يكون مقابلا ماديا، وفق الغزو، وإذا كان كذلك قد لا يكون مقنعا للشخص الذي ينجز هذا العمل فقد تكون الرواتب غير مجزية أو ذات قيمة غير عالية.
ومن جهة أخرى، هنالك الجانب المعنوي ويتعلق تحديداً بالدافعية، إذ يزيد الشعور بغياب الرضا حينما يتعمد الأشخاص المسؤولون أو أصحاب العمل بتغييب عامل التحفيز لإنجازات الموظفين.
ويعتقد الغزو أن النظرة الاجتماعية للأشخاص ومنحهم التقدير والاحترم مهم للغاية، لافتا إلى أن العامل التكنولوجي أثر على المنظومة الاجتماعية للإنسان وكيفية تفكيره بالأشياء، وعلى قاعدة الرضا بالأشياء.
وينوه الغزو إلى أنه من المهم أن يتعلم الإنسان من تجارب الآخرين وأن يكون لديه طموح عال لتحقيق أهداف كبيرة، لكن بالنهاية يجب أن ينظر للأمر من أكثر من زاوية وأن يحدد قدراته وإمكانياته ومؤهلاته، ويقتنع بما هو موجود، لحين توفر الأفضل.
ويعتقد الغزو أن الحل يكمن في الإنسان نفسه، ووعيه بذاته وثقته بقدراته و”لماذا هو موجود في الحياة؟”، وبالتالي لابد من وضع أهداف له وأن يسعى لتحقيقها، بغض النظر عن مستواه الاقتصادي والاجتماعي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock