آخر الأخبار حياتناالسلايدر الرئيسيحياتنا

أفراد يجدون الفضفضة للغرباء “ملاذا” لتفريغ الهموم وراحة النفس

منى أبوحمور

لم تكن تعرف حتى اسمها عندما جلست إلى جانبها في مقعد الطائرة المتوجهة إلى أبوظبي، أمضت خلالها ثلاث ساعات شاركت فيها شريكتها في المقعد أخبار الطقس والسياسة والاقتصاد، حتى تحولت الرحلة إلى جلسة فضفضة وبوح استمتعت بها الثلاثينية مها.

كانت رحلة مختلفة بالنسبة لمها؛ إذ كانت بحاجة إلى مشاركة همومها ومخاوفها وكذلك آمالها وطموحاتها مع مستمع جيد لن يلومها ولن يراجعها بما قالت، ولن يأتي يوم ويسألها لماذا.

بعد ثلاث ساعات أمضتها مها في الفضفضة مرت وكأنها دقائق، أيقنت حينها أنها كانت شديدة الحاجة لتلك المحادثة التي أزاحت حملا عن صدرها وخففت عنها كثيرا، وترى أنها كان باحثة عمن يسمعها دون أن يجادلها.

ليست مها وحدها من تفضل مجالسة الغرباء والفضفضة لهم، فقد وجد الخمسيني أحمد معلول مستمعا جيدا له شاركه المقعد في الباص المتجه من عمان إلى العقبة.

وبدأ حوار معلول مع اللحظات الأولى لحركة الباص، ولم يتجاوز الحالة الجوية وأسباب زيارة كل منهما لمدينة العقبة في الصيف الحار حتى بدأ كلاهما الحديث عن مشاكل العمل والغلاء المعيشي، ومتطلبات البيت التي لا تنتهي، ومشاكل الأبناء التي تكبر كل يوم.

ويقول معلول “لست من الأشخاص الذين يجيدون الكلام مع الغرباء أو حتى يتقنون فن الفضفضة.. ولكنني كنت بحاجة إلى ذلك الحديث كثيرا، وكان مجديا”.

الراحة التي شعر بها معلول أثناء حديثه جعلته يتحدث دون قلق أو خوف، فلم يتوخ الحذر بأن يحاسبه هذا الشخص أو حتى يعاتبه في يوم من الأيام، فقد نزل من الباص بعد أن ودعه وهو على يقين بأنه لن يقابله من جديد.

“حديث الغرباء”، هكذا أطلقت عليه الثلاثينية جهاد عباس التي كانت تحمل في داخلها تجارب فاشلة عدة جعلتها تعيش فترة قاسية من لوم من حولها والباحثين عن مسؤول عن هذا الفشل، حتى اختارت أن تبقي هذه التجارب دفينة في داخلها ولا تشاركها مع أحد.

كان ذلك حتى صبيحة أول يوم انضمت إليه لحضور أحد المؤتمرات، تقابلت به مع ضيفة من خارج البلد، تشاركت معها الإقامة بالغرفة ذاتها، رغم أنها لم تكن من قبل تفضل هذه المشاركات.

خمسة أيام أمضتها جهاد برفقة زميلة من بلد آخر تعرفت عليها للمرة الأولى، لكنها شاركتها همومها ومشاكلها العاطفية والعائلية ووجدت نفسها دون أن تشعر تبوح لها بالكثير من المواقف الصعبة التي آلمتها واللحظات الصعبة التي لا تفارق ذاكرتها ودرفت من الدموع ما يكفي لتهدئة نفسها.

“لم تكن مجرد زميلة من بلد جديد تعرفت عليها، بل على العكس تماما لقد كانت طبيبي النفسي ومرشدي الاجتماعي”، حسب قولها، فقد استشارتها في الكثير من الأمور العالقة في حياتها التي لم تكن تقوى على البوح بها أمام أقرب الناس لها.

بعد مضي 5 أعوام على تلك الفضفضة، ما تزال نصائح زميلة جهاد عالقة في ذهنها، وما تزال تلك الفضفضات في بئر عميقة رغم أنهما تقابلتا مرارا وتكرارا بعد ذلك، لكن لم تعد كلتاهما للحديث مجددا عن المواقف الصعبة.

يلجأ بعض الأشخاص الذين ينوء بهم الحمل إلى الفضفضة مع أول شخص غريب قد يقابلونه صدفة في رحلة قطار، أو في مقهى ببلد غريب لن يعودوا إليه في القريب، أو زميل المقعد في رحلة طويلة بالطائرة، المهم أنه يكون شخصا مضمونا أنهم لن يلتقوا به مجددًا في الحياة.

وقد أشارت إحدى الدراسات التي أجريت حديثًا في جامعة هارفارد الأميركية، إلى أن الأسباب التي تجعل الناس يثقون في البوح بمواضيعهم الحساسة الخاصة إلى الغرباء، تعود إلى الشعور بالوحدة واليأس والحاجة إلى من يصغي إليهم دون إصدار أي أحكام مسبقة ضدهم، وكذلك لثقتهم بأن الغرباء لن يفشوا أسرارهم لأحد.

وأشارت الدراسة إلى أن الناس يلجأون للفضفضة مع الغرباء لعدم قدرتهم على التحدث مع المقربين في مواضيع قد تؤذيهم مثل الخيانة الزوجية وغيرها، فضلا عن عدم معرفتهم الأشخاص الذين هم محور الحديث، الأمر الذي يشجع الناس على البوح والفضفضة براحة للحصول على النصيحة.

ويفضل البعض، بحسب الدراسة، الاعتراف لشخص غريب عن الأخطاء الشنيعة التي يرتكبونها وتشعرهم بالخجل من أنفسهم عوضًا عن إخبارها للمقربين إليهم.

اختصاصية علم النفس الدكتورة عصمت حوسو، بدورها، تشير إلى أن اللجوء للحديث إلى الأشخاص الغرباء أمر في غاية الأهمية ويحتاجه الشخص في كثير من الأحيان، وهي حاجة إنسانية لكل من الرجل والمرأة في الفضفضة والبوح لتفريغ الأزمات والضغوطات التي يتعرض لها الفرد في حياته.

ويلجأ الكثيرون للغرباء وتنجح في كثير من الأحيان، إلا أنه وفي عصر الانفتاح الذي نعيشه اليوم، بحسب حوسو، فكثير من الأحيان تتقاطع العلاقات، ويرتبط الكثيرون في علاقات مشتركة مع بعضهم بعضا، وبالتالي فإن الفضفضة مع هؤلاء الأشخاص قد تلحق الأذى النفسي وتسبب حساسية اجتماعية لصاحبها، وفق حوسو.

وتلفت إلى ضرورة أن يحذر الشخص من الفضفضة والبوح إلى الغرباء، ففي كثير من الأحيان يكشف البعض عن أسرارهم ويعرضون أنفسهم أمام الآخرين، الذين قد يستخدمونها ضدهم في يوم ما أو حتى يتناقلونها أمام معارف مشتركة.

وتشير حوسو إلى أن الأصح هو البحث عن إشباع الحاجة الإنسانية واللجوء إلى الفضفضة للشخص المناسب، لا قريب ولا غريب، بمعنى أن يكون شخصا آمنا أو مختصا أو الاثنتين معا، وهو الأفضل.

وتقول حوسو “لابد من اختيار الشخص المناسب لممارسة حاجتنا الإنسانية بالبوح”، حتى يستقبل بعد تفريغ الملومات والفضفضة وإخراج كل ما في داخل الإنسان حلولا منطقية ومقنعة وليس فقط الحديث دون فائدة.

وتضيف، أنه يجب اللجوء إلى شخص آمن أو مختص، فلابد من التأكد من درجة الأمان والبوح تدريجيا لقياس مدى مأمونية الشخص المقابل، ولابد من أن يكون هناك مساحات شخصية يحافظ عليها الشخص داخله ولا يعري نفسه مباشرة.

وتختم “في كثير من الأحيان، يلجأ البعض إلى الفضفضة من أجل الحديث والبوح فقط ولا يحتاج إلى نصيحة أو حلول، ولكن هي الرغبة بالحديث، وإنما يبحث عمن يسمعه دون أن يسأله أحد أو يقدم له النصيحة حتى تتحقق الفائدة من البوح والفضفضة للشخص المضغوط ويشعر بعدها براحة”.

اقرأ أيضاً:

المجموعات النسائية.. ملاذ المرأة لـ”الفضفضة” والبحث عن حلول

“الفضفضة” وسيلة حيوية للتخفيف من هموم النفس

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock