أفكار ومواقف

إحصاءات تحجب الحقيقة


هل يمكن أن نعزو تأخر بدء ظهور الإحصاءات السالبة لنهج طمر الرؤوس في الرمال التي يتبعها بجدارة صناع القرار عندما بدأت رياح الأزمة المالية تعصف على اقتصادنا، وكانت بمثابة قوقعة لهم وملاذا آمنا يخفي ضعف الادارة في غياب قراءة متأنية لسياسات حصيفة استباقية تخفف من وطأة الأزمة؟


وهل استفادوا من بعض المؤشرات غير المكتملة التي لم تبرز حدة الانكماش الذي كان الأكثر ضراوة منذ أزمة 1989، رغم إدراكهم لها من واقع ملموس لشراء الوقت وترحيل الاستحقاقات المطلوبة لسد العجوزات، رغم أنها سترفع كلف المعالجات المستقبلية على حسابنا جميعا؟


ولم ترسم إحصاءات متناثرة وبعضها متناقض وناقص مدى الصورة القاتمة لانحسار التدفقات المالية الخارجية، التي كان لها كل الأثر في تراجع الأنشطة الاقتصادية لبلد وثيق الارتباط بالخليج والعالم.


ولا تعكس أرقام البطالة المتدنية التي ظلت ثابتة في حدود ضيقة، رغم مضي قرابة 3 سنوات على انحسار الطفرة النفطية الأخيرة، ما يلمسه الكثيرون من فقدان للوظائف والاستغناءات لدى الشركات المتعثرة، في وقت أدى تضاؤل الفرص في القطاع العام، إلى تزايد أعداد الخريجين العاطلين عن العمل.


كما لم تدل أرقام ومؤشرات النمو والإحصاءات الحيوية الشهرية كالتضخم على مدى تآكل القوة الشرائية للشريحة الأكبر من السكان، لبلد مستورد لمعظم احتياجاته ولم تدخل أيضا في الحسبان عوامل غير مرئية وغير ملموسة ذات تأثير كبير.


وعودة لفترة ليست بعيدة نستذكر علامات الاندهاش التي أصابت بعضنا في فترة الطفرة، لأن أرقام النمو الاقتصادي القياسية التي أشعلها الطلب العقاري والخدمي غير المولد للاستثمار، لم تنتج ازدهارا حقيقيا وترافقت في الوقت ذاته مع توسع الهوة الاقتصادية والاجتماعية وتآكل للمداخيل واضمحلال الطبقة الوسطى التي نتغنى بها اليوم.


كما أن الارقام التي جعلتنا قصة نجاح إقليمية في نظر صندوق النقد الذي كال المديح لنا، حجبت مآسي كلف التهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي نجم عن سياسات إصلاح اقتصادي مشوهة، ابتعدت عن مسارها وجلبت نتائج وخيمة ماثلة أمامنا اليوم، في تفاقم أحزمة البؤس في المدن الكبرى والمناطق النائية على حد سواء.


في دول كثيرة تفتقر لآليات المحاسبة المؤسسية الفاعلة كالأردن، يتم فيها توظيف الارقام لتغيب جوانب من الحقيقة، إن لم نقل تغييبها واخرى متقدمة عنا نحتاج لقطع أشواط لبلوغها تمارس التوظيف السليم للأرقام في تبيان الصورة.


ولا داعي أن نتذكر كيف استخفت حكومات متعاقبة بعقول الناس، ورسمت من أرقام غير مكتملة الصورة وبعيدة عما يحصل، وكيف أكد فريق اقتصادي تلو الآخر بأننا محصنون من تداعيات الأزمة، في وقت كان يحترق العالم حولنا وكل المؤشرات النفسية والفعلية تقول إننا لسنا بمنأى عما يحدث.


العلة تكمن في أن صناع القرار غير قادرين على توظيف صادق، لهذا الفيض من الإحصاءات في كل مناحي الأنشطة الاقتصادية التي يخرجها بجدارة فنيو وإحصائيو ومحللو البنك المركزي، ودائرة الإحصاءات في جهد يستحق لتبني سياسات تصحيحية تخفف من وطأة الأزمة وتداعياتها ووضع معالجات واقعية ومنصفة.


يبقى توظيف الأرقام في الأردن والكثير من الدول النامية لحجب جوانب الحقيقة أو تغييبها كليا، أو في أحسن الأحوال توظيفها انتقائيا، إما لشراء الوقت أو لرسم صورة وردية منافية لما يحصل، وكل هذا من نتائجة فقدان الثقة بالأرقام ومصداقيتها!.


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock