أفكار ومواقف

الأفضل لروسيا.. أسوأ من “بريمر”

لم تتراجع صحيفة حزب الله عما نشرته، الشهر الماضي، بشأن مضامين “الدستور الروسي” الجديد لسورية. لكنها استدركت بعد أيام -عقب العاصفة التي أثارها دستور الحامي الأول لبشار الأسد ونظامه، مع إيران- بالحديث عن تعديلات أجراها هذا النظام على “الدستور الروسي”، تؤكد خصوصاً على عروبة سورية؛ بالتمسك بمسمى “الجمهورية العربية السورية”، وإلغاء ما يسمى “جمعية المناطق” التي تكشف أن روسيا ماضية في “الفيدرالية” التي اقترحتها قبل أشهر، ولا تعني إلا تقسيم سورية فعلياً -وإبقاءها موحدة شكلاً- إلى مقاطعات عرقية وطائفية.
إذ وفقاً للدستور الروسي لسورية، تُنشأ “جمعية المناطق” إلى جانب “جمعية الشعب” (مجلس الشعب). لكن “جمعية المناطق”، وليس “جمعية الشعب”، من ستكون صاحبة النفوذ فعلياً. فمثلاً، يتحمل مجلس الوزراء “مسؤولية سياسية عن أعماله أمام رئيس الجمهورية وجمعية المناطق”، ويحق “لثلث أعضاء جمعية المناطق (مثل “جمعية الشعب”) طرح حجب الثقة عن الحكومة”. كما يحق لرئيس الجمهورية “إعلان حالة الطوارئ بالموافقة المسبقة لجمعية المناطق”. والأبرز أنه تتولى هذه الجمعية “مهمات رئيس الجمهورية في حال الشغور الرئاسي أو عجز الرئيس عن تأدية مهماته، بعد إثبات عجز رئيس مجلس الوزراء أيضاً عن ذلك”.
لكن الحقيقة أنه بقدر ما يبدو مسمى سورية محسوماً لصالح “الجمهورية السورية”، بسبب عامل السوريين الأكراد المدعومين روسياً وأميركياً، لإنجاز كيانهم المماثل لأكراد العراق؛ كذلك هو الأمر بشأن تقسيم سورية إلى كانتونات عرقية وطائفية. إذ يكاد يكون التقسيم هو خيار روسيا الوحيد لإنهاء الصراع في سورية، وفق شروط موسكو، وبأقل التكاليف الممكنة.
طبعاً، إضافة إلى الإبقاء على بشار الأسد بمسمى “رئيس جمهورية”، لا يملك أنصار الأسد إلا تمني نسخة روسية في سورية، من دستور “بريمر” في العراق؛ أي الاكتفاء فقط بالاعتراف بكيان كردي مستقل ذاتياً في سورية. إذ لا يُتوقع انقلاب موسكو على حلفائها الأكراد، بل وحتى الدخول في مواجهة عسكرية معهم! وهو ما يستدعي، ابتداء، انقلاباً أميركياً مماثلاً على الأكراد، وتخلياً عنهم. وهذا بافتراض أن مليشيات الأسد وإيران قادرة فعلاً على هزيمة الأكراد في أي مواجهة عسكرية.
إلا أن سيناريو “بريمر روسي” في سورية، لا يمكن أن يتحقق من غير إعادة كامل سورية -باستثناء مناطق الأكراد- إلى حكم الأسد. وهو ما يعني مزيداً من الانخراط الروسي والإيراني في معارك الأسد. وحتى هنا، فإنه بافتراض قبول موسكو بمزيد من التورط، كما تريد منها إيران فعلاً، وتحقيقهما “الانتصار”، يظل صحيحاً أن “بريمر” سلم الحكم في العراق للأغلبية “العددية والسياسية”، ما سمح لها بالإقصاء والاستئصال والاستقرار مؤقتاً. فيما ستُبقي موسكو حكم سورية في يد من يمثل الأقلية على كل مستوى، حتى داخل حاضنة الأسد الشعبية. وكما يؤكد الباحث في مؤسسة “كارنيغي” يزيد صايغ، في مقاله بصحيفة “الحياة” اللندنية أول من أمس، فإن “روسيا وإيران و”حزب الله” سيكتشفون أن مساعدة النظام على كسب الحرب العسكرية، أسهل بكثير -وأرخص بكثير- من الحفاظ على السلام وفق شروط الأسد”.
ولعل موسكو تدرك كل ذلك، بحيث يكون طبيعياً أن تسعى إلى تقسيم سورية، كأقصر الطرق لإنهاء تورطها العسكري، مع حماية مصالحها هناك، والتي لا يمكن أن تتعارض وفق هذه الصيغة مع المصالح الإسرائيلية والأميركية.
لكن هل سيصوت السوريون في الاستفتاء “المفترض” على الدستور الجديد، للأفضل لروسيا والأسد وأميركا وإسرائيل، إنما الأسوأ لسورية (وللمنطقة حتماً)؟ الإجابة المرغوبة، إنما غير المضمونة أبداً، بالنفي، معلقة على إقناع الأغلبية بأن سورية المستقبل هي دولة كل مواطنيها، نقيضاً لاستبداد الأسد وأشباهه؛ أكانت ذرائع الاستبداد شعارات علمانية وقومجية، أو دينية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock