ترجمات

الأميركيون يستيقظون على تكتيكات إسرائيل الوحشية والتمييزية ضد الفلسطينيين

جوناثان كوك* – (ذا ناشيونال) 16/12/2018
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مع انقسام الرأي العام بالتساوي بين الذين يفضلون حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة، أصبح الكثيرون في الولايات المتحدة يحولون انتباههم إلى الأعمال الوحشية المنهجية التي تمارسها إسرائيل في حق الفلسطينيين.

  • * *
    يبدو أن عامين من عمل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو كفريق لصنع السلام في الشرق الأوسط قد أحدثا تأثيراً تحويلياً -وبطرق لن تسرَّ أياً منهما.
    أصبح الرأي العام الأميركي الآن منقسماً بالتساوي بين أولئك الذين يريدون حلاً على أساس الدولتين وأولئك الذين يفضلون دولة واحدة يتشارك فيها الإسرائيليون والفلسطينيون، وفقاً لمسح نشرته جامعة ماريلاند في أوائل شهر كانون الأول (ديسمبر).
    وإذا كانت فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة قد أزيلت عن الطاولة مسبقاً -كما يستنتج عدد متزايد من المحللين الذين يتابعون شؤون المنطقة، في ضوء تعنت إسرائيل والتأجيل الذي لا نهاية له لإعلان خطة سلام ترامب- فقد أصبح التأييد لفكرة الدولة الواحدة يرتفع بشدة، ليشمل ما يقرب من ثلثي الأميركيين.
    لكن نتنياهو لا يستطيع أن يجد السلوى في فكرة أن الأميركيين العاديين يشاركونه رؤيته لدولة إسرائيل الكبرى الواحدة. فالمستجيبون للاستطلاع يطالبون بحل دولة واحدة يكفل منح حقوق متساوية للإسرائيليين والفلسطينيين فيها على حد سواء.
    على النقيض من ذلك، فإن 17 في المائة فقط من الأميركيين -الذين يفترض أنهم من المسيحيين الإنجيليين وأنصار إسرائيل من اليهود المتشددين- يفضلون النهج الذي تعتنقه الأحزاب اليمينية الحاكمة في إسرائيل: إما مواصلة الاحتلال؛ أو ضم المناطق الفلسطينية من دون منح سكانها حق المواطنة.
    كل هذا يحدث، حتى على الرغم من أن الساسة الأميركيين ووسائل الإعلام لا يعبرون عن أي دعم لحل الدولة الواحدة. بل إنهم يفعلون العكس تماماً.
    الآن، تتنامى حركة مقاطعة إسرائيل، المعروفة باسم حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، في حرم الجامعات الأميركية، لكنها تتعرض لحملة تشويه شرسة يشنها عليها المسؤولون في واشنطن، الذين يزعمون أن هدفها هو إنهاء إسرائيل كدولة يهودية من خلال إقامة دولة واحدة، والتي يكون فيها جميع السكان متساوين. بل إن الكونغرس الأميركي يفكر في إصدار قانون يحظر نشاط حركة المقاطعة.
    في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أقالت شبكة “سي إن إن” المعلق مارك لامونت هيل بسبب استخدام خطاب ألقاه في الأمم المتحدة للدعوة إلى حل الدولة الواحدة -وهو موقف يؤيده 35 في المائة من الرأي العام الأميركي.
    هناك كل الأسباب التي تدعونا إلى افتراض أن هذه الأرقام سوف تذهب، بمرور الوقت، بقوة أكبر ضد خطط نتنياهو لإقامة “إسرائيل الكبرى” وضد ادعاءات واشنطن بأنها وسيط نزيه بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
    بين الأميركيين الأصغر سناً، يرتفع الدعم للدولة الواحدة إلى 42 في المائة. وهو ما يجعل منها بسهولة النتيجة الأكثر شعبية بين هذه الفئة العمرية لصفقة سلام في الشرق الأوسط.
    وفي علامة أخرى على المسافة بين سياسات واشنطن وبين اتجاهات الرأي العام الأميركي، فإن 40 % من المستجيبن للاستطلاع المذكور يريدون أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات لمنع إسرائيل من توسيع مستوطناتها في الأراضي الفلسطينية -أي أنهم، باختصار، يؤيدون تطبيق العقوبة الأقسى التي يطالب بها برنامج حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات.
    و، مَن هو المسؤول بشكل رئيسي عن عدم تجاوب واشنطن؟ تقول نسبة 38 % إن لدى إسرائيل “تأثيرا كبيرا” على السياسة الأميركية.
    وهي وجهة نظر تستشهد بها برد فعل انعكاسي تقريباً جماعات الضغط الإسرائيلية كدليل على معاداة السامية. ومع ذلك، تتشارك نسبة مماثلة من اليهود الأميركيين المخاوف بشأن تدخل إسرائيل في السياسة الأميركية.
    في جزء منها، ينبغي فهم نتائج الاستطلاع المذكور على أنها رد فعل منطقي على عملية أوسلو للسلام. فقد فشلت هذه العملية المدعومة من الولايات المتحدة على مدى ربع القرن الماضي في جلب أي فوائد للفلسطينيين.
    لكن النتائج تدل على أكثر من ذلك. فقد زودت محادثات أوسلو التي لا نهاية لها على حل الدولتين إسرائيل بالذريعة للاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية لبناء مستوطناتها غير الشرعية.
    وتحت غطاء “إجماع” أوسلو، نقلت إسرائيل أعداداً متزايدة من اليهود إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، بطريقة جعلت التوصل إلى حل سلمي للصراع شبه مستحيل. ووفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية للعام 1998، فإن هذا السلوك يُعد جريمة حرب.
    في 9 كانون الثاني (ديسمبر) الماضي، حذرت السيدة فاتو بنسودة، المدعي العام الرئيسي للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، من أنها توشك على الانتهاء من التحقيق الأولي المطلوب قبل أن تتمكن من تقرير ما إذا كانت محكمتها ستحقق بشأن ارتكاب إسرائيل جرائم حرب، بما في ذلك بناء المستوطنات.
    لكن الحقيقة، مع ذلك، هي أن المحكمة الجنائية الدولية كانت تماطل في التحقيق لتجنب الوصول إلى قرار سيكون من شأنه أن يثير حتماً رد فعل عنيف من البيت الأبيض. ومع ذلك، فإن الحقائق على الأرض تحدق في وجه المحكمة.
    كان منطق إسرائيل -والإثبات على أنها تعمل في انتهاك صارخ للقانون الدولي- قيد العرض الكامل في أواسط كانون الأول (ديسمبر). فقد أغلق الجيش الإسرائيلي مدينة رام الله، عاصمة فلسطين المحتلة التي يفترض أنها تتمتع بالحكم الذاتي، كـ”عقاب” جماعي للفلسطينيين بعد إطلاق النار على جنديين إسرائيليين ومقتلهما خارج المدينة.
    كما وافقت حكومة نتنياهو أيضاً على دفعة أخرى من البناء الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية، فيما يُفترض أنه يجيء “رداً” على زيادة أخيرة في الهجمات الفلسطينية. لكن إسرائيل وحلفاءها الغربيين يعرفون جيدا أن المستوطنات والعنف الفلسطيني مرتبطان بشكل جوهري، بحيث يؤدي أحدهما إلى الآخر.
    يعاني الفلسطينيون مباشرة من استيلاء المستوطنات على أراضيهم في شكل من العنف الذي تصادق عليه الدولة الإسرائيلية. وتصبح مجتمعاتهم أكثر فأكثر أقرب إلى الغيتوهات؛ وحركتهم أكثر خضوعاً للتحكم الشُرَطيّ والتضييق من أجل الحفاظ على الامتيازات للمستوطنين.
    وإذا قاوم الفلسطينيون مثل هذه القيود أو المحاولات الدؤوبة لتشريدهم من بيوتهم وأراضيهم؛ وإذا أكدوا مطالبتهم بحقوقهم وكرامتهم، فإن الصدامات مع الجنود أو المستوطنين تكون حتمية لا مفر منها. والعنف مكوِّن عضويّ وبنيوي لمشروع إسرائيل الاستيطاني.
    لقد أقامت إسرائيل نظاماً مثالياً مديماً لذاته في الأراضي المحتلة. إنها ترتكب جرائم الحرب في حق الفلسطينيين، الذين يردون عليها بعد ذلك بشكل ضعيف، ليكون ردهم مبرراً للمزيد من جرائم الحرب الإسرائيلية، بينما تقوم إسرائيل بعرض ضحاياها -كل ذلك كموسيقى تصويرية لاستدرار التعزية الغربية.
    الآن، يصبح إخفاء هذا النفاق أكثر صعوبة، ويصبح هضم التنافر المعرفي أصعب من أي وقت مضى بالنسبة الجماهير الغربية.
    وفي إسرائيل نفسها، يجري الآن ترسيخ العنصرية المؤسسية ضد الأقلية الكبيرة من المواطنين الفلسطينيين في البلد -أي خمس السكان- بشكل كامل.
    في الشهر الماضي، أعربت ناتالي بورتمان، وهي ممثلة أميركية-إسرائيلية، عن اشمئزازها مما قانون الدولة الأساسي الذي وصفته بأنه “عنصري”، وهو التشريع الذي أقره الكنيست في الصيف الماضي وصنف السكان الفلسطينيين في إسرائيل رسمياً على أنهم أقل شأناً من اليهود الإسرائيليين.
    في الحقيقة، أصبحت السياسات الإسرائيلية على غرار “جيم كرو” -الفصل من النوع الذي كان مفروضاً على الأميركيين الأفارقة في الولايات المتحدة- أكثر علانية من أي وقت مضى.
    في تشرين الثاني (نوفمبر)، منعت مدينة العفولة اليهودية المواطنين الفلسطينيين من دخول الحديقة العامة الرئيسية في المدينة. وأظهرت دعوى قضائية في أوائل كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أن شركة بناء إسرائيلية كبرى منعت بشكل منهجي المواطنين الفلسطينيين من شراء منازل بالقرب من منازل اليهود. ويقوم البرلمان الإسرائيلي الآن بتوسيع قانون يمنع المواطنين الفلسطينيين من العيش على معظم أراضي إسرائيل.
    وفي المقابل، تم سحب مشروع قانون يهدف إلى عكس هذا الاتجاه، والذي يُلزم إسرائيل بدلاً من ذلك بضمان “الحقوق السياسية المتساوية لجميع مواطنيها”، من الكنيست الإسرائيلي في أوائل كانون الأول (ديسمبر) بتصويت أغلبية ساحقة من المشرعين.
    الآن، أصبح الأميركيون، مثل غيرهم من الغربيين، يستيقظون على هذا الواقع القبيح. ويدرك عدد متزايد من الناس هناك أن الوقت قد حان لطرح نموذج دولة واحدة جديد، والذي ينهي معاملة إسرائيل لليهود على أنهم منفصلون عن الفلسطينيين ومتفوقون عليهم، ويقدم بدلاً من ذلك الحرية والمساواة للجميع.

*صحفي مستقل يقيم في مدينة الناصرة في الضفة الغربية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Americans are waking up to Israel’s brutal and discriminatory tactics

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock