أخبار محليةالسلايدر الرئيسيالغد الاردني

التسول هاتفيا.. آخر صرعات 2021

حنان الكسواني

عمان – رغم المحاولات الرسمية لاجتثاث ظاهرة التسول من جذورها الضاربة بالعمق في مجتمعنا، إلا أن محاولاتهم تبوء دوما بالفشل، فالمتسولون يتفننون باختراع طرق جديدة بعيدا عن أعين الأجهزه الرقابية.
وبجانب الطرق التقليدية للاستجداء عبر الشوارع والمنازل والمستشفيات والتسول الإلكتروني، وجدت بعض الأسر طريقة جديدة للتسول، وهي عبر الاتصالات الهاتفية المتكررة والرسائل النصية، مستخدمين أطفالهم، وبخاصة الاناث ، كوقود لإشعال عاطفة المحسنين.
ويتفاجأ فاعل الخير الذي قدم لأسرة عفيفة معونة مالية أو عينية بسبب”زكاة أو نذر لله تعالى..الخ “، أن حجم الاتصالات عليه لا تتوقف وأن هاتفه تحول إلى “سنترال”، من أسر يجهل حقيقة وضعها الاجتماعي أو الاقتصادي.
“الأسر العفيفة لا تسحق كرامتها”
فاعلو الخير يقولون لـ”الغد” لقد اختلط الحابل بالنابل، فالأسر العفيفة لا تسحق كرامتها من أجل مونة أو معونة مالية بسيطة، بل تتعفف عندما يساعدها أي إنسان وتكتفي بحاجتها، لكن ما يحدث ان متسولين لا يتوقفون عن السؤال بالاتصال هاتفيا عشرات المرات يوميا، وفي حال حذف أرقامهم يستخدمون أرقاما غيرمعروفة.
وفي حال عدم الرد، تلجأ بعض الأسر المتسولة التي تعي قانون مكافحة التسول جيدا، إلى إرسال عدة رسائل نصية، تلح بإرسال ما تجود به النفس، وتضع المتبرع أمام خيارات عديدة، اما نقدا دون تحديد سقف المبلغ، أو مواد عينية متوفرة من ملابس وأحذية.
كلمات تتكرر يشترك بها من يتسول عبر الاتصال الشخصي (الهاتف) منها ”والله خطية اولادي برقبتك إذا ماتوا من الجوع، الكهرباء والمياه مقطوعة منذ سنين الله ينور طريقك ويسقيك من مية زمزم”، بينما يعبر متسولون عن احتياجاتهم بمبالغ مالية بسيطة جدا مثل “احتاج إلى 25 دينارا عشان أكمل قسط ابني الجامعي، مش رح يكسروا جيبتك، و3 دنانير أدوية سكري وضغط مش متوفرة في الحكومة أو دينار ثمن كيلو سكر أو رز”.
ومن الأساليب المفاجئة للمتبرعين، ان بعض الأسر المتسولة وصلت حد تحرير كمبيالات مالية فيما بينها، اما شقيق الزوجة أو شقيق زوجها (سلفها) ويهددها أمام المتبرعين بحبسها، فالوثائق جميعها سليمة تستقطب المتبرع الذي يهرول إلى دفع الديون المتراكمة عن الزوجة المتعثرة ماليا حتى لا تذهب إلى السجن، ليكتشف لاحقا أن ” الاستغلال ” لجيوب المتعاطفين معهم يتكرر مع غيره من المتبرعين.
واستغرب متبرعون، رفض بعض الأسر وظائف عمل براتب شهري، يتم توفيرها اما لرب الأسرة أو للزوجة لمساعدتهم في توفير دخل ثابت يكفيهم حد سؤال الناس.
الأطفال وقود للعاطفة
وحتى يشعل المتسول عاطفة فاعل الخير، يصور أطفاله الصغار بملابس مهترئة يستجدون الطعام،”الله يخليك ياعمي متنا من الجوع “أو يتصل الأطفال هاتفيا بالمتبرع، يحفظون كلمات والدتهم أو والدهم او كلاهما” والله يا عمو نفسي اكمل تعليمي بالمدرسة بس ماعندي كمبيوتر، والله البيت مافي لا ثلاجة ولا غسالة ولا غاز، وفي الشتاء لا صوبة ولا قارورة كاز وملابس صيفية ممزقة هي نفسها بنلبسها في الشتاء”.
طريقة الاتصالات الهاتفية والصور الفوتوغرافية تبعد ملاحقة الأطفال عن طريق التسول في الشوارع، ومحاسبة ذويهم قانونيا في حال ضبطهم من قبل لجان مكافحة التسول.
“ابني لديه ضمور بالدماغ، ويحتاج إلى جلسات علاجية مكثفة فقط الجلسة الواحدة بـ 20دينارا، الله يجزيكم الخير أن تساعدوه على المشي” بحسب أحد المتسولين الذين استخدم طفله لجمع المبالغ المالية لينفقها على المشروبات الروحية التي أدمن عليها، وعندما اكتشف بعض متكفلي الطفل أوقفوا “صنبور”التبرع، بعد ان رفض والده محاسبة المعالج الطبيعي مباشرة.
بالمقابل، اكتفت الثلاثينية ام سائد -اسم مستعار-من سكان جبل النظيف ولديها طفل مصاب بشلل دماغي، بان تجمع له “حليبا خاصا وفوطا صحية له، ولم تطلب أي مبلغ مالي من المتبرعين لانها تعي ان زوجها مدمن على المخدرات ويستعطف الناس حتى يشتري”سم الهاري” بحسب قولها لـ”الغد”.
أمام هذه الصور، يقع المتبرعون في صراع ما بين العقل وما تمليه العاطفة وما يدفع اليه الوازع الإنساني، فالنهاية يتبرع لكنه يجهل انه قد يقع المتبرع “فريسة” أساليب جديدة للتسول لا يتمكن قانون مكافحة التسول من معالجتها لان “ضبط جريمة التسول لا بد ان تكون في موقع الحدث وإصدار مذكرة رسمية بتفاصيل التسول قبل تحويلهم الى المدعي العام”، بحسب ما أكده مدير مديرية مكافحة التسول في وزارة التنمية الاجتماعية ماهر كلوب.
وقال كلوب، من واقع خبرته الطويلة في مجال مكافحة التسول لـ”الغد” أن معظم المتسولين الذين يتم ضبطهم لديهم ممتلكات متنوعة مثل العقارات والسيارات وارصدة مصرفية”، لافتا إلى أن تقديم شكوى للمركز الأمني وهيئة تنظيم الاتصالات، قد تحد من المشكلة لكن غالبا ما يتم تكيفها قانونيا بـ”إزعاج واقلاق راحة”.
ولحين تعديل نص المادة 389 من قانون العقوبات النافذ، يصبح دور التنمية الاجتماعية في مجال إعادة تأهيل المتسولين الصادرة بحقهم أحكام قضائية، بينما يصبح دور مديرية الأمن العام ضبط المتسولين والتحقيق معهم وتوديعهم للقضاء.
واعتبر كلوب، أن نظام جمع التبرعات بات حاجة ملحة لينسجم مع التغييرات والتطورات التكنولوجية، بما يضمن الاستجابة لكافة المتغيرات، التي ظهرت في بيئة عمل الجمعيات وغيرها، وإيجاد نصوص صريحة وواضحة للطرق الحديثة لجمع التبرعات، لاسيما الإلكترونية منها بحيث يتم وضع ضوابط وإجراءات واضحة لعمليات جمع التبرعات وتلقيها سواء كانت نقدية أو عينية”.
عدم التعاطف مع المتسولين
كما سيعالج النظام في مسودته الجديدة عمليات التسول الإلكتروني وآلياته وطرق مواجهته، وذلك لخلو قانون العقوبات النافذ من أي نص يعالج، بحسب كلوب الذي لفت إلى أن وزير التنمية ايمن المفلح، قرر مؤخرا تشكيل لجنة لمراجعة نظام جمع التبرعات للوجوه الخيرية لسنة 1957 وتطويره لاستيعاب الطرق الجديدة لجمع التبرعات وخاصة الإلكترونية منها.
ويرى كلوب أن حل المشكلة من جذورها، يكمن في عدم التعاطف مع المتسولين والبحث عن جهات مجتمعية موثوقه لايصال التبرعات المالية والعينية لمستحقيها، وبخاصة الآن مع عودة المغتربين وزيارة السياح للأردن ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك ينشط سوق التسول في الأردن واستغلال الأطفال في هذه المهنة “اللأخلاقية”.
وقد أقرت الحكومة، الأسبوع الماضي، دليل العاملين بوزارة التنمية الاجتماعية وإدارة حماية الأسرة والأحداث، للتعامل مع عمل وتسول الأطفال، بهدف وضع آلية شاملة للتعامل مع عمل الأطفال وتسولهم.
أما الموظفة منار في إحدى الجمعيات الخيرية الإسلامية في منطقة طبربور، أشارت إلى أن بعض الأسر امتهنت التسول فعليا وليست بحاجه إلى تبرع مالي أو عيني، فالدراسات الاجتماعية الميدانية تحدد احتياجات الأسرة الفعلية ومن هي الفئة التي تحتاج الدعم فعليا.
ومع ذلك، يلجأ البعض إلى بيع المواد العينية من مدافئ وسجاد وخزانة وثلاجة وغاز الخ، بينما ترفض بعض الأسر المستجدية أي نوع من المساعدات “العينية “، وتشترط بان يكون التبرع مبلغا كبيرا يفوق قدرات الجميعة.
إلى ذلك، ترفض بعض السيدات الانضمام إلى سوق العمل “فطريق التسول أسهل وأقصر بالنسبة لهن”، حسب قول الأربعينية منار.
وتقول منار لـ”الغد” إن الخبرة في مجال العمل الإنساني ممكننا من الفصل بين الأسر العفيفة المحتاجة، لسد رمق جوع أطفالها وبين من تتسول بحجة أولادها”.
ويرفض ناشط في مجال العمل الإنساني فضل عدم ذكر اسمه لـ”الغد” ان يتبرع نقدا لأي أسرة، بعد أن تعرض لاستغلال من أسر اكتشف لاحقا انها تمتهن التسول، قائلا” أنا مستعد لان أجري عمليات جراحية لأطفال، أو أساعدهم بترميم منازل لأسر عفيفة”.
ويشار إلى أن دراسة اجرتها الوزارة على عينة من المتسولين المضبوطين العام 2019، أظهرت أن 76 % منهم لديهم ممتلكات مختلفة. منها السيارات أو الشركات أو العقارات أو وجود دخل ثابت.
ويرى الاستشاري النفسي الاجتماعي موسى مطارنة، ان المتبرعين يجب ان يثقوا بالجمعيات الخيرية المرخصة من قبل وزارة التنمية الاجتماعية، فهي تخضع للمراقبة جيدا وبالمقابل يطمئن المتبرع، ان أمواله وصلت لمستحقيها، مؤكدا على أهمية “مراعاة الحالة النفسية للطفل وعدم اقحامهم في طريق الاستجداء”.
شكوى لهيئة تنظيم الاتصالات
ويجهل متسولون أن قانونا ينظم الازعاج عبر الهاتف والرسائل النصية وذلك بالاستناد إلى المادة 75- أ من قانون الاتصالات والتي تنص على: ( كل من أقدم بأي وسيلة من وسائل الاتصالات، على توجيه رسائل تهديد أو إهانة أو رسائل منافية للآداب أو نقل خبرا مختلقا بقصد إثارة الفزع يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن (300) دينار ولا تزيد على (2000) دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.
وبحسب موقع هيئة تنظيم قطاع الاتصالات الرسمي، وضعت آلية للتعامل مع مكالمات الازعاج واقلاق راحته من خلال إصدار تعليمات للعام 1995، مبينة ان ” طبيعة الخدمات التي يقدمونها لدى تقييم شكوى الإزعاج لغايات التحقق منها ومعالجتها حال ثبوتها، والتي تحول هذه التعميمات دون لجوء المشتكي للجهات الأمنية والقضائية لمعالجة شكاوى الإزعاج”.
ومن باب التوعية بآلية التعامل مع هذه الازعاجات وضعت الهيئة عبر الموقع الإلكتروني الرسمي بعض النصائح للتعامل مع مكالمات الإزعاج، من أهمها “إذا شعرت من خلال المكالمة الواردة بعدم الأمان قم فورا بزيارة أقرب مركز أمني وتقدم بشكوى رسمية لديهم، علما بأنه يمكنك وفي أي وقت التقدم بشكوى خطية للمراكز الأمنية والسير بالإجراءات القانونية بحق الشخص المزعج”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock