أفكار ومواقف

الحرب انتهت!

كانَ من المُمْكِنِ أنْ أموتَ في الحَرْبِ..؛ لكنَّها اكتفَتْ بمَنْ تعجَّلوا الابتهاجَ بوضع أوزارِها، وخرجوا إلى الطرقات المتنازَعِ عليها يحملون الرايات الملوَّنَةِ، ويطلقونَ رصاصاً ممتلئا بالموت في الهواء، ما أسفَرَ عن عدد جديدٍ ممَّن ذهبوا ضحيَّة “سوء الفهم”..؛ الحربُ انتهتْ.. لكنَّ السلامَ لم يبدأ بعد!
كان ينبغي أنْ أموت في يوم ممطرٍ في شتاء العام 1991 لو لم تخطئني الرصاصة في حرب الخليج الثانية، ولم تصب الجدارَ وتحدِثُ فيه جرحا ما يزالُ ينزفُ في ذاكرتي..؛ مشيتُ أو ركضتُ وسبقتُ الهواء لأبشِّر أمِّي والجارات القلقات بأنَّ الحربَ قد انتهت. وأكَّدَ أبي ذلك، وقال جارنا إنَّ جميعَ الأطراف المتنازعة رفعَتْ شارة النصر..؛ جرَّبتُ أنْ أفعلَ مثلهم لكنَّ جدِّي حذَّرَني من ذلك، فمن أجل سلامتِنا ينبغي أنْ نبقى على الحِياد!
كنتُ صغيرا حينَ وقعت الحرب، بطول بندقية العسكريِّ الأخضر..؛ لكنَّني مذ سمِعتُ صوت أول رصاصة قريبة ولم تهتز كتفي، تحسَّستُ بزهو منبت الشاربَيْن، وصار لي مكان ولو هامشيٌّ في حديث الرجال. أخبرتهم عن حركة الدوريَّةِ أمام العمارة السكنيَّةِ، ومسار الطائرات في الأجواء، ولم يكن لديَّ تفسيرٌ واضحٌ لما حدث تماما في تلك الليلة..؛ فالغارة الجوية ظلت في ذاكرة الطفل ريحا مسَّها الجِنُّ الذي قتَلَ ابنة سابع جار!
كنتُ كبيرا حين وضعت الحربُ أوزارها..؛ فقد أخذتُ أعمارَ الضحايا كلها. مات ناس كثيرون بلا مبرِّرٍ واضحٍ، لكنَّ الحياة استمرَّت رغم كلِّ الأنباء التي تنبأت لنا بموتٍ شنيع بالسلاح “الكيماويِّ”؛ أمِّي احتاطَتْ مبكِّراً لنوايا القادة العسكريين المتخاصمين، فغطت إطارات الشبابيك باللاصق المقوَّى، وأبي أخذ دور المذيع الطيِّب في غياب البثِّ التلفزيونيِّ، وقدَّمَ لنا نصائِحَ ملزمَة للتعامل مع الموت إنْ جاء من أحد طرفيِّ النزاع. لم نمُتْ في الحربِ فقد أشعلنا “التنُّورَ”، وأكلنا خبزاً ساخناً كالرصاص..؛ ففي الحرب أيضاً يمكنُ رشوة الموت بخمسين قتيلاً في اليوم!
عاد التلفزيون إلى البثِّ، وقرأ كلُّ مذيع بيان النصر. عمَّ هدوءٌ مضطربٌ المنطقة كلها، وتفرَّغَ الجنودُ إلى هواياتهم الرياضية، والناسُ إلى التحليل السياسيِّ الممتلكِ للحقيقة من كلِّ أطرافها، وتخفَّى تاجرُ السلاح في السوق الشعبيِّ وافتتح متجراً لبيع الورد الأحمر. لا شيءَ يحدثُ الآن هُنا في هذا المكان أو ذاك من المنطقة؛ إلاَّ إذا افترضنا أنَّ الضجيجَ نشاطٌ سياسيٌّ!
أخافُ الآن في الوزر الأخير من الحرب أنْ يوقفني جنديٌّ مستاءٌ من بقائي حيا. حربٌ في رأسي، منذُ اثنين وعشرين عاماً لم تكفَّ عن تحميلي كلَّ أوزارها..؛ أريدُ الآن العودة إلى “نقطة اللاعودة”؛ هناك سأبدأ العراكَ من جديد ضدَّ طواحين الهواء. قد ينتجُ عن المعركة غير المتكافئة منتصرٌ متعجرفٌ، وخاسرٌ مكابرٌ، وفقيدٌ..، ودمي بكلِّ الأحوال، وأُسْرِفُ في البكاء مرَّتين: في الحرب، ولما تصبح فيلما وثائقيا!
والآن وحيدٌ أنا مثل لغم صحراويٍّ. لا حبَّ في قلبي..؛ فالحربُ قتلتْ طفلةً كانت ستكونُ زوجَتي، وأسَرَتْ امرأةً كانت ستلدُ زوجتي، وأضاعَتْ رجلاُ كانَ سينجبُ زوجتي..؛ لكنَّني تزوَّجْتُ لما انتهت الحرب من امرأة خرجَتْ أمُّها من الأسر، وعادَ أبوها من الغياب..؛ ثم أنجَبْنا طفلة كانت ستكونُ زوجَةً!

[email protected]

تعليق واحد

  1. اصابعك من الياسمين
    يعربش الياسمين على أناملك فيعطر قلمك في ابداع رائع .. تحرك صحوة الضمير .. وتلامس روحنا , وتخفف علينا عبء الزمن المر ..لتسكن الوجع فينا

  2. قصة شعوب
    الله ماجملها من قصه تحكي حكايه الشعوب وما اصباها من دمار شامل علي مدي العصور وكأن الحروب مسلسل لا ينتهي

  3. هل من المنصف ان نقول انك كاتب فقط
    لم تعد مفردات معاجمي تلبّي …. كلّ ما عثرتُ عليه " جولة في محراب ذاكرة " شاهدتُ فيها ما سبق وخفتُ معها من الآتي …. رأيتُ صوراً قفزت الى مسافة قريبة من عيني وكأنها مسلسل رمضاني لن يحصل على نسبة مشاهدة 10% بأكثر من جزء تُعرض حلقاته في أكثر من بلد، أبطاله من كافة الجنسيات …. فهذه المسلسلات يغض الطرف عنها خاصة في أيامنا هذه … حرب على مقربة خطوة مني اخشى أن أعيش فصولها من جديد بعد ان اكتفيت بالتعاطف والادانة والاستنكار والتوقعات والتحليل اسوة بالمنظمات والمحافل الدولية … كنتُ أظن ان الحروب تتشابه فصولها لكن اكتشفتُ أني على خطأ …. فهي تحمل أوراق ثبوتية مزورة بالف اسم واسم ….. بعد قراءة مقالك يا صديقي لن أكفّ عن التساؤل " بعد كلّ حرب شهدتُها وما أكثرها أمحظوظة اني لا زلت على قيد الحياة ؟ إنتهت الحرب ولم تنتهِ يا صديقي ، هناك فصول جديدة ومسميات جديدة ستدخل جانباً من ذاكرتنا سنكتبها ونرويها أمجادا كلُّ يسطّر مخططاتها وفق ما يطيب الهوى … أسهبتُ في تعليقي عذراً ولكن كتبتُ ما راودني بعدما شاهدتُ اللوحة التي رسمتها … لا أدري إذا كان منصفا بمكان أن يندرج اسمك تحت اسم " كاتب " فقط …….

  4. رائع نادر
    رائع نادر …حتى عنما تصف لتا الحرب تجملها بكلامك وذكرياتك وحروفك المشبعة بالحب والأمل ….كما نحتاج لحظتها ……سلمت أناملك وقبلها أفكارك وتميزك ….محبتي .

  5. هي الحرب
    هي الحرب بألمهاوقسوتها هي الحرب بدمائها ودموعها هي الحرب بموتها وحياتها هي الحرب والحب والأمل والنصر

  6. مسلسل رمضاني
    تفاصيل دقيقة جدا وحكاية مشوقة كاننا نشاهد مسلسل تاريخي معاصر في رمضان …

  7. زمن الحرب
    1990 1991 تاريخ لن يزول من ذاكرتي وذاكرة الشعوب العربية كلها خصاص سكان المشرق وبالاخص سكان الكويت والعراق في هذا الزمن انقلبت كل المعايير وفتحت على الامة بوابات الخلالفات والاصطفافات وحطول حصار يتعرض له شعب عربي ودمير ممنهج بسبب اخطائ قيادته الفادحة التي غامرت بمنجزات بلدها بدخول دولة صغيرة مجاورة على خلافات مالية كان يمكن ان تحل بمؤتمر اقتصادي
    الدمار عشناه يوم بيوم وليلة بلية وبالفعل ما كنا نتوقع نخرج احياء لولا لطف ربنا واجهنا الموت اكثر من مرة
    اشكرك عزيزي على احياؤك لهذه الذكرى التي ليس مثلها ذكري

  8. رشة سكر
    معلمي نادر في بداية المقال جهزت نفسي لأن أحزن فالحرب هي تلك الايام التي لا تفارقنا سواء غدت ام لا وبصراحه يصعب علي تخيل حياتنا بدونها
    لكن مفرداتك سحرتني وأسلوبك النادر "سيد نادر" يجعل القارئ يتيه بين لب الموضوع وبين كلماته وعوضآعن حزني اراني ابتسم فقد ابدعت عندما زدت على الموت والحرب رشة سكر

  9. شكرا لك
    من اروع ما قرأت
    حضرت الحرب بعمر 7 سنوات، بتذكر كل ما ذكرت وبتذكر لما حرقوا ابار النفط وصارت السما سودا بعز النهار، بتزكر الفرن الصغير الي ساويناه بالبيت، بتزكر قنينة البيسبي كيف بتنعمل فانوس وممنوع نضوي اي ضو لدرجة انه بابا فكفك كل اللمبات وكل تحضيرات تلزيق الزجاج وكل الشبابيك وتسكير كل الفتحات خوفا من رصاصة او تسرب الكيماوي ، اجمل ما اذكر انه والدي اشتغل كل شيء ابتداءا من بيع الخضراوات والفواكه وانتهاءا ببيع التمر والبنزين بس مشان يروح برغفين خبز لعياله
    شكرا يا اخ نادر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock