ترجمات

“الشخصية التمثيلية” كما عرّفها كارل يونغ والنفاق الحديث

هيئة التحرير – (ذا أراب ويكلي) 8/6/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ما يجري بشأن الاحتجاجات العالمية على التمييز العنصري في الولايات المتحدة يثير الشكوك حول ما إذا كانت هذه الحركة العالمية تقوم على الإنسانية، أم النفاق، أم أنها تهدف إلى الاستعراض وتقديم المشاركين أنفسهم كمدافعين عن العدالة… صحيح أن الدول الغربية متعاطفة من كل قلبها مع جورج فلويد وأنها نزلت إلى الشوارع، لكن الدول الغربية نفسها هي التي قصفت دول العالم الثالث وقتلت الملايين من مواطنيها، والدول الغربية هي التي زرعت إسرائيل في قلب العالم العربي، تاركة الفلسطينيين الأصليين أصحاب الأرض يعانون من كل أنواع الفساد.

  • * *
    خرج الملايين من الناس في مختلف أنحاء العالم إلى الشوارع للاحتجاج على مقتل رجل أسود على يد شرطي في الولايات المتحدة. ويعكس هذا السلوك رؤية إنسانية ونبلاً في الموقف، حيث لا ينبغي لكل إنسان صاحب ضمير أن يكون غير مبال تجاه هذه الجريمة البشعة. لكن هذا الموقف لا ينبغي أن يُقصر على بعض الناس وأن يُحجب عن بقية الإنسانية، لأن لكل فرد في هذا العالم الحق في العيش بكرامة.
    مع ذلك، عندما قُتل ملايين العرب وطردوا من بلدانهم، فإن ذلك لم يجلب حتى عُشر هذه الضجة، كما لو أن جميع الناس متساوون باستثناء البعض. وفي واقع الأمر، ما يزال العرب يعيشون في ظروف مضطربة منذ سنوات كثيرة، لكن العالم يغض الطرف عنهم، متجاهلاً الحروب بالوكالة التي تمزقهم، واحتلال أراضيهم، وسرقة ثرواتهم الطبيعية، واستغلال الخلافات والاختلافات بينهم لإشعال المعارك وحماية الأنظمة الغريبة التي لا تشعر ببؤس شعوبها والمكلفة بحماية مصالح القوى العظمى.
    وهذا يثير الشكوك حول ما إذا كانت هذه الحركة العالمية تقوم على الإنسانية أم النفاق، أم أنها تهدف فقط إلى الاستعراض وتقديم المشاركين أنفسهم كمدافعين عن العدالة. وهذا الموقف هو ما أطلق عليه كارل يونغ، عالم النفس السويسري العظيم، “الشخصية التمثيلية”. وهذه الشخصية هي القناع الذي يرتديه الشخص من أجل التوافق مع الاتجاهات الاجتماعية العامة، لأنه لو كانت هذه المظاهرات لا تعكس اتجاهًا للاستعراض الاجتماعي، فإنها يجب أن تنطبق على جميع الأمم المعذبة في جميع أنحاء العالم من دون تمييز على أساس اللون أو الدين أو العرق أو الجنس.
    صحيح أن الدول الغربية متعاطفة من كل قلبها مع جورج فلويد وأنها نزلت إلى الشوارع، لكن الدول الغربية نفسها هي التي قصفت دول العالم الثالث وقتلت الملايين من مواطنيها، والدول الغربية هي التي زرعت إسرائيل في قلب العالم العربي، تاركة الفلسطينيين الأصليين أصحاب الأرض يعانون من كل أنواع الفساد التي تتجسد في سرقة الأرض والموارد الطبيعية، ومواجهة الاحتجاجات السلمية بقوة غير متناسبة وترك الناس في براثن الفقر والظروف المعيشية البائسة.
    تكمن عبقرية كارل يونغ في حقيقة أنه فصل “الأنا” عن “الشخصية التمثيلية” لأن الأنا هي الذات بينما الشخصية التمثيلية/ الاجتماعية هي الوجه المزيف الذي يريد الفرد أن يراه الآخرون ويبنون تصوراتهم وفقاً له. ويبدو أن هؤلاء المتظاهرين يرتدون شخصيات تمثيلية؛ وإلا لكان الغضب سيتوجه ضد جميع أشكال العدائية والسرقة، لأن الأخلاق هي معايير عامة تنطبق على جميع الناس بغض النظر عن تصنيفاتهم.
    لا يستحق ترامب، الذي يجد نفسه عاجزًا في مواجهة هذا الغضب، أي تعاطف، لأنه يمنح بركاته لتوسع إسرائيل والتهامها المزيد من الأراضي والموارد الفلسطينية، والذي تفاخر بأنه يمكن أن يهين الدول العربية لأنها ضعيفة. واليوم، ها هو يتعرض للإهانة مثل أي شخص آخر، وربما يجب أن يجد لنفسه شخصية تمثيلية تكون مقبولة لدى لمتظاهرين لإنقاذ ماء وجهه.

*نشرت هذه الافتتاحية تحت عنوان: Jung’s persona and modern hypocrisy

زر الذهاب إلى الأعلى