أفكار ومواقف

الطائفية التي لن تنتهي

ثمة مستوى مرتفع من التفاؤل في أن الطائفية في الشرق الأوسط في طريقها إلى التلاشي، وأن ثمة جيلا جديدا يرفض الإرث الذي وجد نفسه غارقا فيه، وهو اليوم في صدد تغييره.
في الحقيقة، هذا نوع من التفاؤل المشروع، فنحن كبشر أكثر ميلا إلى توقع الممارسات الإنسانية الفضلى، تلك التي تتأسس على الخير والجمال، وما يشتمل عليه المصطلحان، في هذا السياق، من معاني العدالة والمساواة والتسامح والاندماج.
لكن، في المقابل، فإن التفاؤل المشروع قد لا يؤسس لأي واقع على الأرض، خصوصا إذا كانت الهوة ساحقة بين التمني وبين الحقائق الراسخة في المجتمع وفي الوجدان الفردي، والواقع الذي يتحكم بالمعادلة في نهاية المطاف.
الاحتجاجات التي اندرجت فيها جميع المكونات الشعبية في بلاد عربية تحكمها نظم طائفية، مثل العراق ولبنان، تحتكم للمعادلة السابقة، فحتى الانسجام الكبير الذي يظهر اليوم بين فرقاء الأمس، لا يؤشر في الحقيقة على أي اختراق يمكن حدوثه مستقبلا، فـ”التقاء المصالح” الآني ليس بالضرورة أن يكون قادرا على أن ينتج معادلة إيجابية لـ”شرق أوسط جديد بلا طائفية”، مثلما يتوقع روجر كوهين في مقاله الذي ترجمه عن “نيويورك تايمز” الزميل علاء الدين أبو زينة ونشره في “الغد” أمس.
أفكار كوهين تدخل في باب “النوايا الحسنة” و”التمنيات”، لكن ثمة ثوابت على الأرض لا يجوز القفز عنها حين التصدي لدراسة واقع البلاد العربية بشكل عام، والبلاد المحكومة بمعادلات طائفية بشكل خاص.
الفسيفسائية الإثنية والطائفية والعرقية التي كان يمكن لها أن تؤسس تنوعا في العالم العربي، تحولت إلى ما يمكن تسميته “اختلالات ديمغرافية”، أو بمعنى أدق “لعنة التنوع” التي أسست لنزاعات عديدة، بسبب غياب الاندماج الحقيقي بين المكونات.
النقطة السابقة بالذات قادت إلى مقاومة تشكل هوية وطنية جامعة تؤسس لمفهوم عادل للمواطنة الحقة التي تحكم العلاقة المتبادلة بين الفرد بالجماعة، والعلاقة بين الفرد والدولة، بل ظلت العلاقات البينية تتعلق بالمفاهيم البدائية المتأسسة على القرائبية التي يشعر الفرد بالحماية في الانتماء إليها بغياب محددات راسخة للمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص في المجتمعات العربية.
المعضلة مركبة، وبات لها تشابكاتها العديدة و”منافعها” التي سيدافع عنها أشخاص سيشعرون بالخسارة في غيابها. أما ما يحدث في الساحات العربية المنتفضة يلتقي فيها الفرقاء اليوم، فهو ليس أكثر من “التقاء مصالح” على رفض النظام السياسي القائم على المصالح، والذي لم يعد يلبي طموح الأفراد.
لكن، ماذا لو سقط النظام السياسي الطائفي، فهل نستطيع بالسهولة نفسها إسقاط النظام الاجتماعي والثقافي الذي تغذى على الطائفية عبر عقود، وبطريقة استطاع من خلالها أن “يقوننها”، وأن يضع لها نظاما اجتماعيا أسفر عن إفراد مكاسب عديدة سيلجأ كثيرون للدفاع عنها؟!
الطائفية ليست نظاما سياسيا، فحسب، بل هي نظام اجتماعي أسس نظامه السياسي، وأفرد زعامات وعطايا وجوائز لمن ينضوي تحت لوائه، ويمكن كذلك أن يكون صارما في عقابه لمن يرفضه!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock