صحافة عبرية

العقوبات على إسرائيل تكاد أن تصبح طوفانا

هآرتس

باراك ربيد

التقى دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى قبل بضعة اسابيع مع مسؤول كبير في وزارة الخارجية الإسرائيلية. وكان أحد المواضيع التي تحدث عنها الاثنان استمرار عقوبات الاتحاد الأوروبي على المستوطنات. وأشارت خلاصة ذلك الحديث اشارة جيدة الى أحد التهديدات الشديدة التي ستواجهها إسرائيل في السنة القريبة وهو ازدياد العزلة الدولية قوة. “إن اعلام منتوجات المستوطنات بعلامات في طور جمود في هذه المرحلة”، قال الدبلوماسي الأوروبي لمحادثه الإسرائيلي. “لكن إعلم أنه اذا دُفع التفاوض مع الفلسطينيين الى طريق مسدود فتوقعوا طوفان عقوبات”.
وفوجئ الموظف الإسرائيلي الرفيع المستوى قليلا بالتصريح الشديد. “أليست ظروف فشل التفاوض مهمة؟”، سأل. وأجاب الدبلوماسي الأوروبي قائلا: “أنتم خاسرون في لعبة الاتهامات، كما تبدو الامور الآن”.
بقي خمسة اشهر اخرى لنهاية المدة التي حُددت للاتصالات بين إسرائيل والفلسطينيين. وعلى خلفية السير في نفس المكان في المحادثات استعد وزير الخارجية الأميركي جون كيري ليعرض على الطرفين اتفاق اطار في محاولة لاختراق الطريق المسدود والزام الزعيمين أن يتخذا قرارات.
حذر كيري نفسه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من “حملة سلب شرعية وقطيعات قوية” ستنطلق اذا فشلت محادثات السلام، بيد ان نبوءة غضب الدبلوماسي الأوروبي الكبير ووزير الخارجية الأميركي بدأت تتحقق في هذه الايام. ليس الحديث الى الآن عن طوفان عام من عقوبات وقطيعات من قبل الدول الغربية لكن من المؤكد أنه يمكن أن نشعر بقطر أخذ يقوى. والأهداف الرئيسة لتلك الاجراءات هي المستوطنات في الضفة الغربية وكل كيان يتصل بها.
إن عددا يزداد من شبكات السويق في أوروبا لا تنتظر التوجيهات وبدأت ببساطة تعلم منتوجات المستوطنات بعلامات. وفي مقابل ذلك يقوى جهد القطيعة مع منتوجات اسرائيلية تأتي من المستوطنات، مثل تمر “المجهول” من غور الأردن، أو آلات وزجاجات من شركة “صودا ستريم” التي يوجد أحد مصانعها في سهل أدوميم. وفي استعداد لعيد الميلاد تجري حملات دعائية للقطيعة مع منتوجات الشركة في بريطانيا وايطاليا، وفي الولايات المتحدة وكندا واستراليا ايضا.
قبل بضعة اسابيع أوقفت شركة “أهافا” التي تبيع منتوجات من البحر الميت، كل أنشطتها في جنوب افريقيا بسبب حملات دعائية للقطيعة مع منتوجاتها التي تأتي من وراء الخط الاخضر.
لا تتضرر شركات إسرائيلية فقط بل شركات دولية ايضا تعمل وراء الخط الاخضر. فشركة النقل العام الفرنسية الضخمة “فيوليا” تحت ضغوط ثقيلة بسبب نشاطها في شرقي القدس وفي اماكن اخرى وراء الخط الاخضر. وقد أعلنت شركتها الفرعية في اسرائيل منذ زمن غير بعيد أنها ستتوقف عن استعمال خط الحافلة في الشارع 443. وثم مثال آخر وهو اتحاد شركات الحراسة البريطانية “جي 4 إس” الذي خسر عقودا في جنوب افريقيا بسبب نشاطه في المستوطنات ويواجه حملات دعائية في كينغز كوليج في لندن وفي جامعة شفيلد البريطانية لسحب استثمارات الجامعة من الشركة.
في الاسبوع الاخير فقط ظهرت عدة أمثلة على هذا التوجه. فقد نشرت حكومة بريطانيا توصيات لرجال اعمال وفيها تحذير من الاستثمار أو نقل اموال أو شراء أملاك في المستوطنات “بسبب الخشية من ضرر صوري وقانوني”، أما شركة الماء الكبرى في هولندة فأعلنت أنها تقطع جميع الصلات بـ “ميكوروت” بسبب نشاطها في المناطق، بعد “تشاور” مع وزارة الخارجية في لاهاي.
بل إن حكومة رومانيا التي تعتبر معتدلة فيما يتعلق بالاحتلال الاسرائيلي في الضفة، طلبت في اطار تفاوض في اتفاق لاستعمال عمال رومانيين في اسرائيل ألا يُرسلوا الى اعمال بناء في المستوطنات. إن وزارة الخارجية في القدس تواجه هذه الاجراءات عاجزة. وحينما يعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بموجة بناء خمسة آلاف وحدة سكنية في المستوطنات ويحاول وزير الاسكان اوري اريئيل أن يُحدث تسونامي بناء في المستقبل بنشر مناقصات تخطيط لـ 24 ألف وحدة سكنية اخرى في المناطق، يصعب أن نُقنع بأن اسرائيل تسعى الى حل دولتين للشعبين.
إن كل ما بقي للدبلوماسيين الإسرائيليين هو أن يعبروا عن عدم الرضا أمام وزارة الخارجية في لندن لأن التحذيرات لرجال الاعمال تضر بالاتصالات بالفلسطينيين وأن يؤدوا احتجاجا الى السفير الهولندي في تل ابيب “على الجو الذي تُنشئه وزارة الخارجية في لاهاي التي تشجع القطيعة مع إسرائيل”. وأن تنذر حكومة رومانيا انذارا يجعلها ترجع الآن عن مطالبها المتعلقة بمكان إعمال العمال. لكن مسؤولين كبار في وزارة الخارجية يعترفون بأن كل ذلك هو بمنزلة أكامول أو لصقة جروح في أحسن الحالات. إن أمواج البناء في المستوطنات بعد كل دفعة افراج عن السجناء الفلسطينيين ربما تُسكّن مجلس “يشع” وحزب البيت اليهودي، لكنها تُغضب المجتمع الدولي وتجعله يفكر في تشديد العقوبات على المستوطنات.
إنهم في وزارة الخارجية يشيرون الى نشر التوجيهات الجديدة عن المفوضية الأوروبية بشأن الانفاق على المستوطنات أنها نقطة سمة استراتيجية بالنسبة لمؤسسات الاتحاد نحو الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية. وتحظر التوجيهات تقديم هبات أو قروض أو جوائز الى من يوجد في المستوطنات بل تمنع تقديم قروض الى جهات إسرائيلية تجري نشاطا ما في المستوطنات. لكن في حين حظيت التوجيهات المتعلقة بحظر النفقة في المستوطنات، بتغطية اعلامية، تم تقديم عقوبات اخرى من المفوضية الأوروبية تحت الرادار. وذكر مسؤول كبير في وزارة الخارجية أنه في شهر حزيران نشرت المفوضية الأوروبية توجيهات تقول إن شهادات النوعية التي تصدرها خدمات حماية النبات في اسرائيل بالنسبة للمنتوجات الزراعية التي تأتي من وراء خطوط 1967 لن تحظى بالاعتراف بها.
ونشر في تموز تقرير المفوضية الأوروبية الذي يقول إنه لن يتم الاعتراف بالصلاحية الإسرائيلية لاصدار رخصة لمنتوجات عضوية من تلك المناطق. وليس الحديث عن استقرار الرأي على حظر استيراد المنتوجات من المستوطنات الى الاتحاد الأوروبي، لكن هذه الخطوات يتوقع أن تجعل من الصعب جدا على مزارعين من المستوطنات أن يسوقوا منتوجاتهم في أوروبا وتسبب لهم ضررا اقتصاديا عظيما.
ولهذه الاسباب فان العلاقات بين وزارة الخارجية الإسرائيلية وخارجية الاتحاد الأوروبي سيئة جدا. وبين الدبلوماسيين الإسرائيليين وهيئة الموظفين في بروكسل توتر وشك بل عداوة. والشعور في القدس هو أن العاملين مع وزيرة الخارجية الأوروبية كاثرين آشتون في بروكسل وفي شرقي القدس بل في تل ابيب يحثون دائما على عقوبات وضغط آخر على إسرائيل بسبب المستوطنات ويُعدون بحماستهم دولا أوروبية اخرى. “يوجد مسار بروكسلية في وزارات الخارجية في العواصم المختلفة في أوروبا”، قال مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية.
تنتقل موجة القطيعات بسبب الاحتلال في المناطق من اوروبا الى أميركا الشمالية ايضا. فقبل اسبوع اتخذت مديرية اتحاد المحاضرين للدراسات الأميركية في الولايات المتحدة قرارا لم يسبق له مثيل، على القطيعة مع الجامعات في إسرائيل. وسيوجد فيما يُستقبل من هذا الشهر اقتراع بين آلاف المحاضرين الاعضاء في هذه المنظمة لاجازة القرار بصورة نهائية.        
قبل ذلك ببضعة اسابيع عقد المؤتمر السنوي لمنظمة صحة الجمهور في الولايات المتحدة التي تجمع ثلاثين ألف طبيب وممرض وعامل اجتماعي. وسقط القرار الذي يرى أن اسرائيل تضر بصحة الفلسطينيين بعد جهود ضغط من منظمات يهودية استمرت اشهرا.
وتبلغ مبادرات القطيعة ايضا الى كنائس ليبرالية في أميركا الشمالية، فقد بدأت الكنيسة البروتستانتية الكبرى في كندا – يونايتد تشيرتش – حملة دعائية للقطيعة مع منتوجات المستوطنات ومع شركات تعمل وراء الخط الاخضر. يقول بحث جديد صدر عن معهد “مولد” (مركز تجديد الديمقراطية) الذي يشتغل بمنزلة اسرائيل في العالم وبقضية العزلة الدولية أن اسرائيل قابلة للضرر بصورة خاصة بسبب العقوبات والقطيعات من جهة شركات في الغرب، وذلك خاصة بسبب العداوة لها من الدول المجاورة وحقيقة أن 40 بالمائة من انتاجها الوطني الخام يأتي من التصدير وبخاصة الى أوروبا.
وأشار البحث الى ظاهرة تحظى بصدى أقل وهي “القطيعة الخفية”: فان رجال اعمال أو فنانين أو اكاديميين اسرائيليين يشهدون بأنهم أصبحوا يلقون قدرا أكبر من رفض اشخاص دوليين التعاون معهم بسبب “الشحنة السياسية” التي تقترن بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني. بل إنه يصعب تقدير مبلغ الضرر الذي يُحدثه ذلك بالاقتصاد الإسرائيلي.
ويقول كاتبو البحث إنه برغم الصعاب التي واجهتها إسرائيل منذ كان انشاؤها، حظيت بنجاح كبير في عقد أحلاف مع الولايات المتحدة وأوروبا، لكن هذه العلاقات ساءت في السنوات الاخيرة وصارت الى أزمة تعرض مستقبلها للخطر. وبيّن البحث الذي فحص عن مجالات الثقافة والعلوم، والاقتصاد والعلاقات السياسية أن مصدر أكثر التوتر بين إسرائيل والدول الغربية هو السيطرة الإسرائيلية على المناطق. وقال البحث إن هذا التوجه لن يتغير بل سيقوى فقط كلما مر الوقت بلا تقدم سياسي.
“إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية واصرار حكومات إسرائيل على الاستمرار في مشروع الاستيطان مسؤولان بصورة مباشرة وحدهما عن اضعاف مكانة الدولة الدولية”، ورد. “وما دامت المستوطنات على حالها فانه يتوقع أن يزيد خطر عزلة إسرائيل”.
ويقول كاتبو البحث إن تغيير التوجه وصد تهديد العزلة الدولية ليسا متأخرين، لكن نافذة الفرص لفعل ذلك ليست غير محدودة. “إن اسرائيل في فترة رحمة ما زالت تتمتع فيها بتأييد حليفاتها التاريخية وتغرق فيها الدول المحيطة بها في صراعات داخلية”، كتبوا. “إن كل خطة تقريبا تتجاوز اجراء تفاوض لا بقاء له وتعبر عن استعداد عملي لانهاء السيطرة الاسرائيلية في المناطق تنفع اسرائيل. إن هذه الخطوة ستنشئ فصلا حادا بين معارضة وجود إسرائيل ومعارضة الاحتلال”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock