منوعات

الفأر القوي

عمر تيسير شاهين


كان القط الأسود، القوي الضخم يتزعم الزاوية الصغيرة المهجورة، التي تعيش فيها وحولها بعض الحيوانات الصغيرة والقوارض، وكان القط يستولي على جميع الفضلات التي يضعها السكان حتى غادر كثير من تلك الحيوانات والفئران الزقاق لتتركه لذلك القط الأناني المستبد.


الفأر الملقب نيدو رفض أن يُغادر الزقاق، لأنه سمع أن معظم الفئران التي هاجرت قُتلت أو ماتت جوعاً عندما غَادرت الزقاق الآمنة واتجهت إلى أماكن أخرى أكثر خطورة.


الفأر لم يُفكر بمقاتلة القط والخلاص منه؛ لأنه أقوى منه بكثير، ولو فكر بعراكه لقتله القط خلال ثوانٍ قليلة، فالقط قوي وقد هزم أفعى صغيرة قبل عدة أشهر فكيف به وهو فأر صغير ضعيف، هذا عدا عن هزيمته لكل الفئران وقطط الحي الأخرى التي حاولت أن تعيش في المكان أو أن تتحداه.


كان الفأر يذهب لأماكن قريبة، للحصول على الطعام، ويعود مسرعاً ولطالما تَعرض للخطر من قبل الكلاب، أو الغربان.


فوق الشجرة الوحيدة الموجودة هناك، بنى عصفور دوري عشاً صغيراً لتبيض فيه عصفورته، وهذا لم يُعجب القط الذي صرخ بوجهه:


– أيها العصفور الممل، غادر فوراً وإلا التهمتك أنت وعصفورتك المزعجة.


قال العصفور:


– هذه الدنيا لله سبحانه وتعالى، وأنا أبني عشي فوق شجرة عالية بعيدة عنك فما الذي يضيرك؟


– ماذا يضيرني؟! يبدو أنك عصفور وقح، أنا زعيم هذه الزاوية، ولا يحق لأي حيوان أو طائر العيش هنا غيري، حتى هذا الفأر العنيد المدعو نيدو والذي يُصر على العيش داخل الجحر ولا يريد المغادرة، سوف أجعله يموت جوعاً، أو سأقضي عليه قريبا بضربةٍ واحدة.


ضحك العصفور وقال:


– قط وزعيم! هذا أغرب ما سمعته في حياتي.


– حسناً سأعطيك فرصة ليومين فقط لتجد لك مكانا غير هذه الشجرة، وإلا صعدت للأعلى ودمرتُ عشك وقضيت عليك وعلى عصفورتك.


تحدث الفأر من داخل الجحر:


– اسمع أيها القط المتسلط، العصفور لا يَضرك، وهو بعيد عنك وطعامه ليس من طعامك، وهو سوف يفيدنا؛ حيث سيحذرنا من موقعه العالي عندما يقترب أي عدوٍ خطر.


– اصمت أنت، لم يتبق غير فأر وضيع يرشدني، وعصفور هزيل يحميني.


في الليل وحيث كان القط يغادر الزاوية لزيارة بعض القطط، خرج الفأر وتحدث مع العصفور:


– مرحباً أيها الجار العزيز، منذ زمن لم يأت جيران جدد نفرح بقدومهم.


– نعم أعرف هذا من خلال مشاهدتي لتصرفات القط الجشع المتوحش، إنه يريد طردنا بعد أن تعبنا كثيراً بإحضار القش، وبناء العش، وأنا خائف على بيضات عصفورتي التي سوف تضعها قريبا.


– اسمع أيها العصفور الصديق، سوف أُحضر نوعاً من الزيت الخاص، وأدهن به جذع الشجرة، ولن يتمكن القطّ من الصعود إليك.


دهن الفأر جذع الشجرة، وعندما حاول القط الصعود إليه أخفق، وشعر بغضبٍ شديد وخاف أن يفقد هيبته إن لم يتمكن من طرد العصفور.


ذهب القط إلى أحد الغربان الأشرار، وطلب منه أن يُخيف العصفور ليجبره على الهرب، مقابل أن يُقدم للغراب هدية ثمينة.


جاء الغراب ووقف على الشجرة، ونظر إلى العصفور، وقال له:


– هيا غادر حالاً وإلا مزقتك إرباً.


هَرب العصفور، فهو يعرف مدى الشر عند الغربان.


شعر الفأر بالحزن، ولكنه فكر بحيلة، لينتقم من القط، فخرج إلى الغراب وقال:


– آه، هل أنت الغراب الذي يعمل خادماًَ لدى القط نمرود؟


– ماذا تقول أيها الفأر الوضيع، أنا غربون، زعيم الغربان، أعمل خادماً عند قط لم يستطع أن يَنتصر على عصفور صغير! لقد أحضر لي ذلك القط هدية ثمينة وكاد يقبل قدمي، حتى أطرد العصفور من على الشجرة.


هذا ما يقوله القط لنا دائماً، إنك تخاف منه، وتعمل لديه خادماً بالمجان، لتنال رضاه، وقد قال للعصفور أمس (إنني سوف أُحضر خادمي الغراب ليطردك).


غَضب الغراب وقرر أن يَقتل القط على قوله هذا، شريطة أن يُقدم له الفأر دليلاً يُثبت صحة كلامه.


قال الفأر للغراب:


– تعال هذه الليلة، دون أن يشاهدك القط وسوف تسمع بأذنك من فوق الشجرة.


عاد القط ليلاً وتأكد الفأر من وجود الغراب فوق الشجرة.


سأل الفأر القط من داخل الجحر:


-هل أنت متأكد أيها القط الزعيم من أن هذا الغراب الذي أحضرته اليوم يعمل عندك خادماً؟


قال القط متباهياً:


– حتى خادما لا أرضاه، فهو غراب مقرف، وقد أحضرته لتلك المهمة فقط.


ولما سمع الغراب الكلام، نزل من الأعلى وحمل القط عاليا ورماه من فوق، فسقط قتيلاً.


بعدما حمل الغراب القط شعر بألمٍ في ظهره، ولم يتمكن بعدها من الطيران، فوقع فريسة سهلة لأحد الكلاب الضالة.


عاد العصفور وبنى عشاً جديداً هو ومجموعة كبيرة من العصافير، وصار الفأر يأكل ما يشاء من فضلات الطعام، وطلب من كل الفئران التي غادرت العودة.


ومنذ ذلك الحين لم تقترب القطط من تلك الزاوية لأنها سمعت أن هناك فأراً قوياً جداً تمكن من القضاء على القط وهو أقوى قط في الحي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock