أفكار ومواقف

القوة العالمية ومستقبلها

تعاقبت في القرون الخمس الفائتة مجموعة من الدول الكبرى في الهيمنة على العالم، مثل تركيا، ثم إسبانيا والبرتغال، ثم هولندا والنمسا وألمانيا، ثم بريطاينا وفرنسا، ثم اليابان وألمانيا وإيطاليا وروسيا والولايات المتحدة. وقد سيطرت على المسرح العالمي بعد الحرب العالمية الثانية قوتان عظميان، تميز الصراع بينهما بالاعتماد على الردع النووي كأداة لتنظيم العلاقة بين الشرق والغرب، وإخضاع نزاعات المسارح الطرفية للمركز، وغلبة العامل السياسي الاستراتيجي على الضغوط الاقتصادية.


كانت القوة العالمية تتحقق أساسا بالقوة العسكرية؛ بالجيوش المدربة والمنظمة، والأسلحة المتفوقة، وشجاعة الجنود والمقاتلين ومهارتهم. لكن المعيار العسكري لم يعد حاسما أو فريدا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بل إنه يصبح أحيانا عبئا اقتصاديا وسببا للنزف المؤدي إلى الضعف والتراجع وربما الانهيار.


وقد ظهرت تهديدات جديدة، مثل التلوث والمافيات والمخدرات والإرهاب والصراعات العرقية والإثنية، مما لا تفيد في مواجهتها الحلول العسكرية.


والعدد الكبير للسكان يشكل موردا كبيرا للدولة، يعطيها زخما سياسيا واقتصاديا، ومصدرا للكفاءات والكوادر العلمية والإدارية والجيوش والموظفين والقوة الدفاعية، وقد يؤدي أيضا إلى إضعاف الدولة واستنزافها.


وتزايدت أهمية المعيار الاقتصادي في القوة العالمية في المرحلة الجديدة أكثر من أية فترة سابقة، وربما كانت الأسباب الاقتصادية هي التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفياتي.


والمساحة الجغرافية للدولة أو الإقليم تحدد قوته وموارده وعمقه. وكانت المساحات الشاسعة المفرطة في اتساعها سببا في السقوط، والامبراطوريات الحديثة التي تضخمت كثيرا ضعفت بسبب هذا التضخم والامتداد. وفيما استطاعت اليابان بأرخبيل من الجزر، لا يكاد يصلح للسكن، أن تقيم قوة اقتصادية عظيمة، فقد عجزت دول تعج بالثروات الطبيعية عن إطعام شعوبها.


كذلك، أصبحت المعرفة معيارا مهما، ولعلها المعيار الأساس في القوة والتأثير. فقد ارتبطت القوة العسكرية والاقتصادية بالتكنولوجيا، وأصبحت الصناعات المعرفية، مثل الكمبيوتر والبرامج والرقاقات المعلوماتية والهندسة الوراثية والاتصالات والإعلام، هي الأكثر استقطابا لرؤوس الأموال والقوى العاملة، حتى إنها تشكل مرحلة عالمية ثالثة بعد مرحلتي الزراعة والصناعة.


ويرتبط بالمعرفة المستوى التعليمي، والبحث العلمي، والكفاءات العلمية المدربة، وبراءات الاختراع، كمعايير لامتلاك قوة المعرفة واقتصادها.


لقد نشأ فراغ كبير في النظام العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وبرغم أن الولايات المتحدة تبدو هي القوة الأولى المهيمنة عالميا، لكنها تواجه تحديات كبرى، تتمثل في حجم الإنفاق العسكري، وتراجعها الاقتصادي والسكاني نسبيا، وتصاعد الثقافات الوطنية، وتراجع حصة الدولار في التبادلات والاحتياطات العالمية، وغياب التناغم الاجتماعي الوطني. وقد تلجأ للخروج من أزماتها، إلى العزلة أو الاتحاد مع بريطانيا وربما أوروبا.


ومازالت روسيا، برغم ما يبدو من تراجعها، تمتلك فرص العودة من جديد إلى المسرح العالمي باعتبارها قوة رئيسة منافسة للولايات المتحدة؛ فمازالت تملك قوة عسكرية ونووية هائلة، ومستوى تعليميا متقدما، وموارد كثيرة، وقد تدخل في شراكة مع أوروبا.


وقد بدأ الاتحاد الأوروبي يرض نفسهقوة مؤثرة ومستقلة بعد عŒود من اتبعية للولايات المتحدة.ويمتلك لاتحاد الأوروبي قوة اقتادية معدلة للولايات المتحدة، وBأثيرا س¬اسيا عالميا كبيرا. كما دأ اليوو الأوروبي يشكل تحديا لدولار. يجري تنافس سياسي واقتصا@ي بين اولايات المتحدة وأوروبا، بقيادة فرنسا وألمانيا، كما لوحظ في حرب الخليج الثالثة على سبيل المثال.


وبدأت الصين تأخذ دورا اقتصاديا عالميا مهما، مضيفة إلى رصيدها السكاني والعسكري دعامة رئيسة مهمة. وبرغم أن الصين تعاني من الفساد والنمو غير المتوازن بين الأقاليم الصينية، والصراع السياسي في قمة الهرم السياسي، فقد تحولت إلى قوة عظمى وسوق كبيرة تتنافس عليه الشركات والاستثمارات الأجنبية.


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock