أفكار ومواقف

المشاركة الشكلية: ممارسة الديمقراطية أم الشعور بها

     أصبحت ورش العمل والندوات واللقاءات التي تعقد باسم المشاركة والمرتبطة باستراتيجيات وطنية متعددة إحدى سمات الحياة العامة في الأردن، فثمة عشرات اللقاءات وورش العمل التي تعقد كل شهر بهدف التسويق الإعلامي وإضفاء الشرعية على خطط وبرامج ووثائق تعنى بحياة الناس وببرامج التنمية والإصلاح المنوي تنفيذها في مجالات متعددة، إلا أن مراجعة جريئة لآلية تنفيذ هذه الأنشطة تلفت الى أن اغلبها يضيع في التفاصيل الشكلية حينما يتحول منهج المشاركة الى أنشطة علاقات عامة بالدرجة الأولى لا تضيف ولا تنقص شيئا يذكر من المضامين والأهداف والآليات التي أعدت مركزيا بعيدا عن الناس وفي وقت سابق، هكذا تتحول المشاركة من كونها آلية لصنع السياسيات تضمن حق الناس بالحضور الإيجابي وتمنح القواعد العريضة فرصا تحمل المسؤولية وتمنح السلطات رؤية اكثر موضوعية ووضوحا للأهداف التنموية، الى مجرد مشاركة شكلية فارغة من المضمون خلاصة أهدافها إضفاء نوع من الشعور بالمشاركة بدل المشاركة الفعلية.


       في العادة تصمم هذه الأنشطة كجزء مفروض على خطة عمل عامة، ويبدو في نهاية الأمر وكأنها فضلة زائدة لا علاقة لها بالمدخلات ولا بالمخرجات، ومهما أخذت المناقشات والطروحات من جدية وعمق ومهما قدم العصف الذهني الشعبي من إضافات وابتكارات وأفكار خلاّقة وجديدة، فإن مصيرها يذهب ويتلاشى مباشرة ولا قيمة له، لأن أصحاب الرؤى الكبيرة والمكاتب المغلقة والاستشارات المغلفة بالسلوفان الفاخر أنجزوا المهمة مبكرا ولم يبق إلا هذا النوع من المشاركة الساذجة كجزء من الديكور الوطني واستجابة ساذجة من زاوية أخرى لتوصيات المنظمات والهيئات الدولية وأداة للحضور الإعلامي.


       تتحول المشاركة الشكلية حينما يُفرَغ مفهوم المشاركة من مضمونه الحقيقي ويتحول الى عبء وطني اقتصاديا واجتماعيا؛ وبعد قليل سوف يتحول الى عبء نفسي وثقافي حيث لا يمكن أن يستمر التمثيل على الناس الى الأبد، فإلى جانب حجم الإهدار الذي يمارس في هذا السلوك المؤسسي بدون جدوى، فإن المؤسسات تعمل على خلق ثقافة مقاومة للمشاركة حينما يصل الى إدراك الناس عدم جدوى حضورهم وأن ما يمارسونه مجرد شكل بدون مضمون.


      إن النموذج المحلي في صنع السياسات التنموية يأخذنا الى ضرورة تشريح ذهنية صناع السياسات الجدد من التكنقراط الحكومي مما يستدعي التساؤل حول مدى تطابق وانسجام الشعارات والرؤى التي تطرح في سياق منهج المشاركة مع الممارسات الواقعية حيث نلمس حالة من الانفصام والغموض التي قد تفسر بضعف إيمان النخب الحكومية بجدوى المشاركة الشعبية، على أساس أن المواطنين اقل كفاية وخبرة وانهم لا يدركون الجوانب العلمية والفنية والقانونية قدر الخبراء والمتخصصين, وهكذا يتعمق الفصام بين قناعات مترسخة وبين خلاصات مستوردة، على الرغم من كون فكر المشاركة مترسخاً في التقاليد الشعبية الأردنية وبالتحديد في نطاقها الريفي على عكس ما يتوقع البعض من حداثة هذا الطرح.


        إن المشاركة قيمة تنموية واجتماعية تم اكتشافها مؤخرا في الأدبيات التنموية المعاصرة بعد صراع طويل بفعل التنظير والبحث العلمي والنماذج النظرية التي بقيت تجرب في مجتمعات العالم النامي على مدى العقود الماضية، وتعني المشاركة في الأدبيات الجديدة الجهود والأفكار والمواقف التي يبذلها ويقدمها المواطنون للتأثير في الإدارة وفي صنع السياسات لكي تتجاوب مع احتياجاتهم الحقيقية. وبذلك تعمل المشاركة على ترشيد السياسيات العامة وإضفاء قدر من الواقعية على مدخلات التنمية وإدارتها وتدعم حق المواطنين في الرقابة على أعمال الحكومات والمؤسسات وبث التفاهم الضروري بين الطرفين.


        وفي الواقع يذهب جانب مهم من فلسفة المشاركة بأبعادها السياسية والتنموية نحو تمكين القواعد الاجتماعية والفئات المستهدفة من رفع مستوى معارفهم وبالتالي تأثيرهم فيما يستهدفهم بدون إقصاء وبضمان التدفق والتبادل الحر للمعلومات والأفكار. وفي المقابل فإن المطلوب من المؤسسات الجاهزية والاستجابة الحقيقية للمطالب وفق قاعدة التفريق بين الحاجات والرغبات، إن الحلقة المفقودة في النماذج الأولية للمشاركة في الحالة الأردنية تتضح من خلال مراجعة بسيطة للتراث من عدم الثقة المتبادل بين صانع القرار التنموي والقواعد الشعبية، فالتكنقراط الحكومي يفهم المشاركة بأنها ستأتي بخبرات منظمة وإضافات جديدة، لهذا يتعامل مع البعد الشعبي بنوع من لزوم ما لا لزوم له لأنه على ثقة مسبقا بأن القواعد الشعبية لا تملك القدرة على تقديم خبرات منظمة، في المقابل ما تزال القواعد الشعبية تفتقد الرغبة في المشاركة؛ لأنها لم تتعود أن ترى آثارا إيجابية ومردودا ينعكس في الواقع على مشاركتها. ولا بد من الإشارة الى أن صيغة المشاركة الشكلية الفارغة المضمون لم تتوقف على المؤسسات الحكومية، بل وتمارسها بفعالية مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات وروابط وهيئات عاملة في مجالات التنمية المتعددة وبالتحديد تلك التي تتلقى التمويل الأجنبي, حيث يحرص الممولون في العادة على إيلاء البعد التشاركي خصوصية في تنفيذ المشاريع والبرامج.


     إن المشاركة الشعبية في إدارة التنمية ضرورة وطنية لا تتوقف عند حدود إيهام الناس بأنهم يشاركون, بل إن المشاركة تجيب عن أسئلة كثيرة وحلقات مفقودة في العمل التنموي، ولعلها إحدى الأدوات التفسيرية لتدني مردود التنمية وربما فشلها في الكثير من دول العالم النامي، وهي الإطار الموضوعي والحقيقي للديمقراطية, ولطالما كانت المشاركة التنموية هي الاختبار الحقيقي لجدية المشاركة السياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock