حياتنافنون

الموسيقى.. غذاء للروح وراحة للجسد

إسراء الردايدة

عمان- “الموسيقى كالشعر والتصوير تمثل حالات الإنسان المختلفة، وترسم أشباح أطوار القلب، وتوضح خيالات أميال النفس وتصيغ ما يجول في الخاطر وتصف أجمل مشتهيات الجسد”، وفقا لوصف الروائي والشاعر اللبناني جبران خليل جبران، فتلك الإيقاعات الحالمة والنوتات العالية لكل منها تأثير عميق على من يصغي إليها، تنعكس على المزاج العام لدرجة أن دقات القلب تتزامن معها، فالنغمات لا تقل أهمية عن الإيقاع، والتي تحمل في طياتها تأثيرا عميقا على الدماغ.
وينظر إلى الموسيقى بأنها مفيدة للخروج من حالات الاكتئاب، ومع ذلك، فإن الأصوات الكلاسيكية والتأملية ترفع من الحالة المزاجية وحالات الاسترخاء، في حين أن موسيقى الهيفي ميتيل والتكنو يمكن أن تجعل أعراض الاكتئاب أسوأ. وتنعكس الموسيقى على حالات التصور والوجه خاصة، تعبيراته، والعواطف المتصورة؛ إذ يمكن فهم مشاعر مقطوعة موسيقية بدون الشعور بها في الواقع، وهو ما يفسر كيف يجد البعض الاستماع لموسيقى حزينة ممتعا بدلا من الاكتئاب!، فهي تمكننا من إدارك العواطف ذات الصلة بدون الشعور بها.
وتستثير الموسيقى العواطف والاستجابات الفسيولوجية، فهي تعمل بشكل أكبر وأسرع على العقل، وتتطلب قليلا من التفكير لفهمها، خاصة أنها تستخدم أحيانا للعلاج، فهناك العلاج بالموسيقى المستخدم في المستشفيات، وبات منتشرا بشدة سواء للحد من آلام الولادة، أو ألم ما بعد الجراحة، والمساعدة على استخدام التخدير أثناء العملية، فهي بمثابة مشتت، وتعطي المريض الشعور بالسيطرة، وتتيح للجسم إفراز الاندروفين لمحاربة الألم وتبطئ تنفسه وتدخله بحالة من الاسترخاء، وتنظم معدل ضربات القلب.
أنواع الموسيقى
وفقا لنوع الموسيقى، تتأثر أجسامنا وتتحرك عواطفنا، فالموسيقى ذات الوتيرة السريعة والمحتوى الدرامي ليست صحية على المدى الطويل، خصوصا إن استخدمت لفترات طويلة، فهي تفرز الكورتيزول والنورادينالين الذي يجعل الفرد أكثر خمولا وكآبة، إلا في حالة أن يقوم صاحبها بالرقص.
كما أن الموسيقى التي تنقل عواطف سلبية ليست جيدة لمن يبحث عن موسيقى للتخلص من التوتر، فهي لن تساعد على التفكير بإيجابية. لكن موسيقى مثل موزارت تعد بمثابة مهدئ، خاصة لمن يبحث عن التركيز ويريد أن يدرس.
وتولد الموسيقى الصاخبة والهيفي ميتيل والروك، مشاعر عدوانية وتزيد من مشاعر الاكتئاب والسلوك الانتحاري أحيانا؛ لأن الموسيقى قادرة على نقل العاطفة، ومثل هذه الإيقاعات تحمل مشاعر سلبية في العادة، وحتى موسيقى الراب تنطوي على كثير من مشاعر الغضب، ولها أثر سلبي على المدى الطويل، كما تسبب الإجهاد العاطفي وتراجعا في الصحة العامة.
الاستماع للموسيقى الكلاسيكية يزيد من تدفق الدم للعديد من مناطق الدماغ، وتفعيل المراكز اللاإرادية والمعرفية والعاطفية، وتفرز الدوبامين أيضا، وهي مواد تؤثر في المزاج والقدرة على الشعور بالمتعة، ما يعزز من الرفاه العام. والموسيقى الكلاسيكية تساعد على فهم اضطرابات المزاج مثل الاكتئاب وثنائي القطب وحتى الفصام.
كما ترفع الموسيقى الكلاسيكية من قدرات التعلم وتخفيض ضغط الدم، وتخفيف الألم والحد من الإجهاد لأنها تؤثر في نظامنا العصبي الإرادي الذي يتحكم بأشياء تحدث في الجسم بدون أن نفكر بها، “مثل نبض القلب وعمل العقل”، والحد من التوتر، وفقا لدراسة أجراها معهد ديوك للسرطان أو ارتداء سماعات للتخفيف من الضوضاء، والاستماع لموسيقى كلاسيكية يقلل من التوتر والقلق، خاصة من يقوم أحيانا بالخضوع لخزعات أو قبل إجراء فحوصات دقيقة.
وللموسيقى الكلاسيكية تأثير على النوم سواء من يعانون من نوم متقطع أو من لا يقدرون على النوم، فهي فعالة من خلال استخدامها للإيقاعات والأنغام التي تخلق مزاجا تأمليا وتولد موجات دماغ بطيئة. ومن أهم هذه الموسيقى هي لبراهامس وهاندل وموزارت وشتراوس وباخ. وتفيد موسيقى موزارت في التعامل مع بعض حالات الصرع وتخفف من نوباته.
والموسيقى الكلاسيكية تؤثر في أدمغة الأطفال، خاصة من يستمع لها بمعدل ساعة كل يوم، فهي تزيد من الاتساق بين مناطق الدماغ وقشرته فالقشرة هي المسؤولة عن تحديد الذكاء، وتحديد الشخصية، الوظيفة الحركية، والتخطيط والتنظيم، والإحساس باللمس.
تأثير الموسيقى علينا
– تولد الموسيقى مشاعر إيجابية، وتجعلنا نشعر بالارتياح، ما يوسع المدارك العقلية، وبطرق مفيدة للصحة وتحفز التفكير الإبداعي، وتحسن من أداء الذاكرة، خاصة لمن يدرس، فالموسيقى الكلاسيكية الهادئة تنشط الدماغ الأيمن، ما يجعله أكثر قدرة على معالجة العلومات.
– تولد تأثير الدهشة، فردود الفعل من خلال جذع الدماغ هي محفزات الاستجابة السريعة والتلقائية للضوضاء المفاجئة، سواء كان صوتا عاليا أو موسيقى متنافرة، وترتبط تلك الردود مع عنصر المفاجأة، والضحك وحتى الخوف. فالدهشة قد تولد من ضوضاء عالية في حفل موسيقي مباشر أو فيلم، ويجعلك هذا الصوت تقفز، ما يسهل تذكر تلك الردود التي تكون مفاجئة لمن يشعر بالقلق أكثر.
وتحسين الموسيقى يحسن حركة الجسم والتنسيق، فالموسيقى تقلل من التوتر، ومهمة جدا في الحفاظ على استعادة الأداء البدني في إعادة تأهيل الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الحركة.
– تزامن الإيقاعات الداخلية للجسم، مثل معدل ضربات القلب، فهي تتزامن مع الإيقاع الموسيقي، لتصبح مثله سواء كان نغما سريعا أو عاليا، وتتحرك بالتناسق معه، وهذا يولد مشاعر المتعة، ويفسر رغبتنا القوية في تحريك أجسامنا تكاملا مع ذلك النغم، وبالمثل أيضا استخدامها كنوع من تهدئة الأطفال الرضع ومساعدتهم على النوم؛ حيث يتزامن إيقاع التنفس لهم مع الإيقاع الموسيقي، وهو المفهوم نفسه الذي ينطبق مع الموسيقى في الأفلام التي تنطوي على الإثارة والتوتر وحتى الرعب التي تصمم بشكل متعمد لتعزز هذا.
– العدوى والأحداث العاطفية، نميل لالتقاط عواطف الآخرين حين ندرك تعبيراتهم العاطفية، فهذا يساعدنا على فهم أفضل لمشاعرهم، فحين نتحدث مع شخص قلق نحاول الابتعاد عنه، كي لا نشعر بالقلق لحد ما، وبالمثل عندما يحضر الناس حفلات موسيقية تتأثر مشاعرهم بمشاعر الآخرين الحاضرين.
وهذا أيضا ينعكس على الأحداث العاطفية، فاستجابتنا للموسيقى مشروطة بالسياق المستخدمة فيه، فتفضيلاتنا الموسيقية تعكس تاريخ التعلم الفردي لدينا، البعض لديه ذاكرة مولعة بالظروف مثل: حفلات التخرج وموسيقاها أو حفلات الزواج.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock