صحافة عبرية

بيتان وصدمة

يديعوت أحرونوت

ناحوم برنياع   31/7/2015

الجرافات الأربع التي أحضرتها الإدارة المدنية انقضت على المباني مثل الديناصورات في متنزه هيورا: ضخمة، جائعة ومخيفة. على اطراف رافعاتها وضعت قطع ثقيلة من الحديد تسمى “مطارق التكسير”. هذه المطارق تنزل بثقلها على الإسمنت وتفتته الى أجزاء، ضربة تلو الضربة وبعد ذلك تأتي الضجة المتواصلة المتدحرجة وبعدها الغبار. كل ضربة للمطرقة ترفعها الى أعلى البيتين باتجاه الشرق حيث احتشد المئات للاحتجاج، والشرطة التي وقفت بينهم وبين الجرافات.
كل من شاهد فيلم هوليوودي ذات مرة يعرف أن هدم البيت هو عرض مسل. الجدران التي كان يفترض أن تقف الى الأبد، تنهار بمرة واحدة. مبنى وقف شامخا يتحول الى كومة مُغبرة من قطع البناء. القوة مخيفة؛ والخراب مفزع.
لكن الاشخاص من بيت ايل لم يأتوا لمشاهدة فيلم، بل جاءوا لكي يصرخوا. بين الفينة والأخرى ينقضون على الشرطة ويتحرشون كلاميا، ويرشقون الحجارة والكراسي البلاستيكية والزجاجات، ويحاولون اقتحام صف رجال الشرطة بالقوة. يسكن في بيت ايل 8 آلاف نسمة، لكن 500 منهم فقط نزلوا إلى هناك. أين عشرات الآلاف الذين يسكنون في المستوطنات القريبة؟ أين أبناء المعاهد وبنات المدارس، جيش “يشع”؟ أين قوافل الحافلات؟ لم يكن هناك عمل للجنود الذين وضعوا الحواجز على الطرق التي تؤدي الى بيت ايل.
في شباط 2006 أخلت الحكومة بالقوة بيوتا بنيت على أراض خاصة في عمونة بالقرب من عوفرا. العنف هناك كان شديدا حيث صب الشباب غضبهم المتراكم منذ الانفصال على الجنود، وقبل ذلك بنصف عام سيطروا على الأسطح كآخر مواقع السيطرة في الحرب على البلاد، وكأنها متسادا.
الجرح المفتوح تحول إلى ندبة، إلى ذاكرة بعيدة؛ الحكومة تغيرت: ليست حكومة أولمرت المكروهة بل حكومة خاصة بنا، حكومة المعسكر القومي. إن بيت ايل هي مستوطنة ايديولوجية، عاصمة اليمين الحريدي القومي. في الانتخابات الأخيرة للكنيست كانت الأصوات الصالحة في بيت ايل تبلغ 2726، 1604 منها صوتت للبيت اليهودي؛ 724 صوتت لإيلي يشاي وباروخ مارزيل؛ 308 لليكود. وقد أقنعهم نتنياهو بأن التصويت لليكود فقط هو الذي سينقذهم من حكم اليسار.
أثناء المفاوضات الائتلافية تم التوصل إلى اتفاق سري، لا يعرفون عنه في بيت ايل وفي أماكن أخرى. لن تجدوا هذا التفاهم في صفحات الاتفاق الائتلافي، ولن تجدونه مكتوبا. نتنياهو قال لوزراء البيت اليهودي إنه لن يبني في يهودا والسامرة حتى الأعياد. عمليا قرر تجميد البناء لنصف سنة، وبرر ذلك بالاعتبارات السياسية – مقاومة الاتفاق مع إيران والنضال الفلسطيني في الأمم المتحدة. وقد كانت الأعياد رمزا سريا: المقصود أيلول – تشرين الاول، بعد القرار في الكونغرس، وبعد اجتماع الأمم المتحدة. قال رجال البيت اليهودي إنهم سيحاولون اقناعه، لكنهم استسلموا للأمر. وعندما احتج رؤساء المجالس الاقليمية في الضفة على التجميد وقف اعضاء البيت اليهودي صامتين؛ وصمت ايضا وزراء الجناح الاستيطاني في الليكود.
كانت في السابق تجميدات للبناء لكنها لم تمر بهذا الهدوء. الأحداث في بيت ايل دفعت نتنياهو هذا الأسبوع إلى تغيير الاتجاه: الخشية من الضجة الداخلية في الائتلاف والليكود تغلبت على الخوف من الضرر السياسي. الوحدات السكنية الـ300 التي وعدت بها بيت ايل وتم تجميدها بسبب الأميركيين، ستُبنى. في المعركة على مخاوف نتنياهو فقد انتصر لوبي المستوطنين على أوباما وعلى إيران. ومثلما في عشية الانتخابات عاد نتنياهو إلى المعسكر.
استدعى نتنياهو أول من أمس في حالة من الفزع وزير الدفاع وسكرتير الحكومة والمحامي مولخو، مبعوثه السياسي، من أجل التشاور، إضافة إلى ياريف لفين وزئيف الكين، وزيران من الليكود يعتبران جزءا من لوبي المستوطنين. لم تكن هذه الدعوة صدفة: لقد أراد نتنياهو أن يقول لليمين إنه معهم، مع الكين ولفين، وضد يعلون. وقد تم استدعاء لفين رغم نشره بيانا اتهم فيه قضاة محكمة العدل العليا بـ”الخزي والعار الأخلاقي”.
إن هدم البيوت أوجد تصدعا في اليمين وليس شرخا، وما حدث في بيت ايل بقي فيها. لكن الدراما هي الدراما – مليئة بصرخات الانكسار والاحتكاك الجسدي والحرارة والغبار والأكاذيب والألاعيب السياسية. بيت ايل هي قصة.
يونتان دراينوف هو مقاول بناء، يبني ويرمم البيوت في المستوطنات. وعندما توجه في 2010 لبناء ثلاث وحدات سكنية في الطرف الشرقي من بيت ايل، كان أول من اعترض على ذلك هم سكان الفيلات بالقرب من تلك البيوت، حيث زعموا أن البيوت الجديدة ستطمس المنظر الطبيعي. “الأصدقاء من بيت ايل أصبحوا برجوازيين ومدللين”، قال رئيس المجلس الحالي شاي ألون، وأضاف: “المنظر الطبيعي ليس مميزا إلى هذا الحد”.
يبدأ المنظر الطبيعي بجدار تم وضعه من أجل عدم سماع ضجيج الفلسطينيين، وهو يُصعب من رشق الحجارة، والآن هو يمنح الظل للجنود والتعزيزات المتواجدة هناك. وفي السياق يظهر شارع 60 التاريخي الذي يربط رام الله مع نابلس، ومن ورائه مخيم الجلزون للاجئين، حيث طُرد عدد من سكانه في 1967 من قرى في منطقة اللطرون. وقد طردوا لأن موشيه ديان اعتقد أننا سنعيد فورا كل المناطق باستثناء اللطرون. نحن لم نُعد المناطق ولا السكان، وقد أقمنا على انقاض بيوتهم متنزها جميلا وواسعا هو متنزه كندا. بضغط من سكان الفيلات في بيت ايل تقلصت البيوت: بدلا من 64 وحدة سكنية يوجد فقط 44. وقد بنى دراينوف الاساسات وحينها تبين أن جميع البيوت أو بعضها توجد على ارض بملكية خاصة لعبد الرحمن قاسم (77 عاما)، فلسطيني من دورا القرع، قرية صغيرة بجانب رام الله، هو صاحب الارض الشرعي.
هذه القصة تبدو قصة صغيرة، مشكلة قانونية: مقاول يبني على ارض بملكية شخص آخر؛ المالك يطلب مساعدة المحكمة؛ ويتم هدم المبنى.
لكن فيما يتعلق بالمستوطنات لا يكفي الخلاف. وتوجه الفلسطينيين للمحكمة العليا بواسطة “يوجد حكم”، وهي جمعية لحقوق الانسان. الدولة حصلت على أوامر الهدم لكنها تملصت من تنفيذها، ومنذ خمس سنوات وهي تناقش وتكذب وتُدير الظهر لدرجة ضاق القضاة بها. إنهم ليسوا يساريين وليسوا غرونس وناؤور اللذين ترأسا طاقم القضاة الذي ناقش دعوى دراينوف. السياسيون يعرفون الحقيقة لكنهم يفضلون الكذب على ناخبيهم.
وفي كل ما يتعلق بالمناطق فان محكمة العدل العليا هي الدعامة الثابتة لليمين. هكذا كان في عهد شمغار وبراك، وايضا في عهد ناؤور الذي بدون استقلاليته كان من المشكوك فيه أن تستمر إسرائيل في سياسة الاستيطان دون أن تتعرض لمشكلات قانونية وعقوبات دولية. محكمة العدل العليا هي الختم وورقة التين. إن هدم مباني دراينوف سيمهد للبيوت الجديدة في بيت ايل والون موريه وعوفرا وشيلا وعيلي وكرنيه شومرون وعشرات البؤر الاستيطانية غير القانونية والتي ستمر بإجراءات التبييض. وزيرة العدل اييلت شكيد التي تهدد بإنشاء محكمة تتجاوز محكمة العدل العليا، وهي تُقدم الهامشي على الأساسي، وهي بدلا من أن تلتقي مع الفلسطينيين في محكمة العدل العليا ستلتقي معهم في لاهاي.
شق بوغي يعلون طريقه إلى الليكود بتأييد لوبي المستوطنين. وقد رد الجميل بتضامنه الكامل معه، وقد شارك في مسيرة احتجاج للمستوطنين بعد أحداث سانور، حيث تم الإخلال بأوامر الجيش الإسرائيلي، وكان احترام القانون بالنسبة له غير مهم في حينه.
في نقاش مع نتنياهو أول من أمس عارض يعلون الحل الوسط للبناء في بيت ايل. لا يمكن منح المخلين بالقانون. كان هناك من اعتقد أن ما يحركه هو الإساءة الشخصية. لقد أساء له المستوطنون – لذلك هو يعارضهم. هذا هو التفسير الذي قدمه زملاؤه ردا على سلوكه الفظ فيما يتعلق بتقرير لوكر الصبياني.
وفي نظرة إلى الوراء فإن قراره إخلاء البيوت في بيت ايل بالقوة في صباح يوم الثلاثاء، كان صائبا. ولو كانت البيوت مملوءة بالشباب لكان الحدث يكون أصعب وأخطر، وكانت الحكومة حينها ستسلم بالأمر.
لكن يعلون فقد أساس قوته. ففي يومي الصراع على البيوت في بيت ايل وقف ضده أغلبية الوزراء الجدد في الليكود – الكين ولفين وايكونيس وميري ريغف. وكان مهما بالنسبة إليه التصالح مع المستوطنين، والوزراء القدامى فضلوا الصمت.
لوبي المستوطنين السياسي هو عابر للأحزاب يشارك فيه وزراء الليكود والبيت اليهودي. وكل رؤساء المجالس في الضفة الغربية هم من الليكود وليسوا من البيت اليهودي: القائمة تشمل رؤساء مجالس شومرون، بنيامين، بيت ايل، افرات، ارئيل، كريات اربع، غوش عصيون، معاليه ادوميم، غور الاردن وكدوميم. بعضهم يحمل اسم الليكود بشكل علني والبعض يحمله بتواضع. هم جسر نتنياهو لجمهور المستوطنين. وهم الخطر عليه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock