آخر الأخبار حياتنا

تجارب شخصية تحتكم للمثل “امشي في جنازة ولا تمشي في جوازه”!

تغريد السعايدة

عمان– “إمشي في جنازة ولا تمشي في جوازه”.. يعبر هذا المثل عن حالة اجتماعية عامة تنطبق في معظم الدول العربية، مصورا خطورة التدخل في أمور الزواج، أو التوفيق ما بين شاب وفتاة بنية الزواج.
ويجد كثيرون أن هذا المثل هو وصف لواقع الحال، وكأنه يدعو للابتعاد عن التدخل في شؤون الزواج، كون المسؤولة تقع على عاتق الشخص الذي تدخل في تعريف الزوجين ببعضهما، والمقاربة فيما بينهما.
وهذا ما تعتقده الثلاثينية ملاك حامد، وترى أن هذا المثل ينطبق على حالات الزواج في هذه الأيام، أما في الماضي فكان كل من الفتاة والشاب يقبلان بخيارات الأهل بدون اعتراض ويتقبلانها ويتعايشان مع بعضهما بعضا.
وتضيف حامد بالقول إن التطور والانفتاح ساعدا الشباب والفتيات على التعرف على بعضهم بعضا بدون حاجة وسيط في معظم الأحيان. لذلك من يتدخل في الموافقة بين شاب وفتاة للتزويج قد يتعرض للانتقاد و”التوبيخ” أحياناً، في حين لم يتوافق الطرفان.
ومن تجربتها الشخصية، تتحدث شيماء عما حصل معها في زواج أحد إخوتها، وتؤكد صحة هذا المثل الذي يحث على الوقوف جانباً والتنحي في أمور الزواج “المعقدة”، خاصة فيما لو تحملت الفتاة عبء التعريف والتوفيق بين أحد إخوتها وإحدى صديقاتها.
وتردف شيماء بالقول إنها عندما قاربت بين أخيها وصديقتها المقربة، لم تكن تتوقع أن تكون هي الملامة في نهاية المطاف، وذلك بعد أن تم فسخ عقد الزواج بينهما في فترة الخطبة، بسبب المشاكل الكثيرة التي حدثت بينهما.
وتضيف شيماء أنه وبعد أن أعجب أخوها بصديقتها كانت سعيدة لكون صديقتها المفضلة ستكون زوجة أخيها، ولكنها شعرت بالصدمة عندما تزايدت المشاكل بينهما، وعاد الأخ يلومها هي شخصياً، بحجة أنها لم “تُطلعه على جميع عيوب صديقتها”، عدا عن اللوم من الطرف الآخر عليها من صديقتها وخسارتها لها بعد أن تم فسخ الخطبة.
هذا الحال، جعل شيماء تدخل في دوامة وحالة إحباط نفسي؛ إذ ظنت في البداية أن ما قامت به هو عمل خير بالتوفيق بين شخصين عزيزين على قلبها، ليمسي بها الحال إلى خسارة صديقتها وحدوث مشاكل مع أخيها، لذلك تؤكد موافقتها لهذا المثل ومطابقته للواقع.
بيد أن الخمسينية أم محسن تجد أن هذا المثل لا يجب أن ينطبق على الجميع على الرغم من واقعيته أحيانا، فهي تزوجت من خلال إحدى السيدات التي دلت أحدهم عليها، ووافق أهلها على زوجها بناءً على المواصفات التي قيلت من قبل السيدة عنه، وتمت الخطبة والزواج بدون حدوث مشاكل تُذكر، عدا عن الاختلافات البسيطة التي يمكن أن تحدث بين أي زوجين.
وتعزو أم محسن هذا الكلام إلى أن الفتيات والشباب في السابق لم يكونوا على قدر كبير من التعارف فيما بينهم، لذلك يعتمدون على من يعرفهم بالفتاة لخطبتها، ويوافقون على ما يوافق عليه أهلهم، والأم على وجه التحديد. وتؤكد أن الفتيات في السابق كن يؤقلمن أنفسهن مع الوضع المعيشي مهما كان.
لذلك، لم يكن هناك لوم على الشخص الذي كان له دور في التقارب بين الزوجين، بل على العكس كان الشخص المعروف بهذه الصفة شخصاً محبوباً بين السيدات على اعتبار أنه “يوفق راسين بالحلال”، وكان الجميع يسعى إلى أن يكون كذلك، والدليل على ذلك وجود “الخطابة” التي تساعد في التزويج بين الشباب والفتيات.
أما الآن فإن الاختلافات والاعتراض على أمور بسيطة قبل أو بعد الزواج قد تؤدي إلى حدوث مشاكل كبيرة قد تفضي إلى الطلاق، وتكبد أهل العريس أو العروس الكثير من الخسائر المالية، ما يدفع الكثيرين إلى الابتعاد عن المساهمة في التزويج خوفاً من اللوم الذي يمكن أن يقع عليهم.
من جهته، يرى أخصائي الاجتماع الأسري مفيد سرحان أن الفكرة الرئيسية في أمور الزواج تكمن في تقديم النصيحة للآخرين في أمور الزواج على أن يكون الشخص الدال على معرفة تامة بصفات الشخص الذي يتحدث عنه وملماً بصفاته وأخلاقة وطِباعه، وأن يبتعد الشخص عن الأحاديث التي لا دراية له بها، وأن يكون حديثه عن الفتاة أو الشاب من خلال احتكاك مباشر بالشخص ولا يعتمد على السماع فقط من الآخرين، ومن هنا قد تحدث المشاكل فيما بعد لو لم يكن الإنسان دقيقاً في كلامه ووصفه.
وعلى الرغم من كل هذا، يجب أن يكون الشخص الدال غير لحوح في نصحه، وأن يترك القرار الأخير للمعنيين، الشاب والفتاة، حتى يخرج من دائرة المسؤولية، كما يوضح سرحان.
هذا الموروث الاجتماعي في الابتعاد عن التعريف والتقريب بين أي شاب وفتاة، يعود إلى اختلاف المعايير الاجتماعية بين الماضي والحاضر، بحسب خبير التراث نايف النوايسة الذي يعتقد أن المعايير في السابق تختلف عما هو الآن والتقدم الذي طال النواحي الاجتماعية بما فيها طبيعة حياة المرأة واتساع دائرة خياراتها أسهم في أن يكون هناك تغيير في تفكيرها واعتراضها على ما لا يتناسب مع طموحها وتوقعها. والخيارات المتعددة للشاب، أسهمت في أن يكون هناك عدم موافقة واستسلام في أمور الزواج، وبالتالي حدوث حالات الانفصال، والتي قد تُشعر الشخص الدال أو المعرف في موضع محرج يُلام عليه.
ومن هنا ابتعد الناس مؤخراً في التقريب والتعريف في التزويج، كما يبين النوايسة، بالإضافة إلى أن المرأة في السابق كانت مُجبرة على أن تؤقلم نفسها مع الظروف المتاحة لها ولا تفكر في موضوع الانفصال والطلاق، وهذا يسهم في أن يكون هناك شخص يدلل على الزواج والتوفيق بينهما، بينما الآن اختلف الوضع بشكل كبير.
وهذا المثل كغيره من الأمثال، وفق النوايسة، يرصد حالة معينة، ومرحلة بذاتها، وينتشر المثل في المناطق الحيوية والحضرية أكثر من المناطق ذات الصبغة البدوية، وهو مثل يواجه المشكلة ولكن ليس بالضرورة أن يكون حلاً لها، وهنا نجد أن المسألة “نسبية”.
ويردف سرحان بالقول إن الطباع والنفسيات البشرية مختلفة في نظرتها للآخرين، وفي موضوع الزواج يجب أن يكون هناك توافق، وهذا لا يحكمه الوصف والحديث فقط، بل على المقبلين على الزواج السؤال والتحري حتى يكونوا على دراية بكل ما يخصهم، وأن لا يُلام الشخص الذي سعى إلى تزويجهم، كونه أراد الخير للطرفين، وتيسير أمور الزواج بينهم.
ويشدد سرحان على ضرورة عدم إغفال الرأي الاجتماعي للآخرين، خاصة وأننا نعيش في مجتمع منفتح والتواصل موجود، ولكن أن لا يكون ذلك إلا بتوافر القناعة الشخصية عند الطرفين وليس عند الأهل والأصدقاء فقط، ولا ننسى أن الزواج تحكمه ظروف ومعطيات كثيرة.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock