أفكار ومواقف

حبٌّ مرَّ بـ”جبيل”

رأيتُ الحبَّ؛ رؤية العين الوحيدة، من زاوية القلب المنسيَّة. وقفتُ إلى جانبه، من اليسار شقياً، ومن اليمين ناسكاً، كان يبدو أطول كشقيق يكبرني بحكمتين وقول مأثور، تأمَّلته مثل طفلٍ يتعرَّفُ إلى جدِّه الذي عاش في الصور: له لحية قدّيس جرَّبَ الحبَّ من نظرة أولى إلى السماء، يرتدي لباساً مهيباً كذلك الذي تقتضيه الأعياد الدينية. ناديته “باسم الأب” وكان لي “اسم الابن”، وبيننا من الإيمان “روح قدس”. رأيته واضحاً لا اجتهاد فيه، وكان البحرُ خلفنا في الصورة أزرق؛ كالحبِّ وإنْ كانَ يبدو أبيضَ.
هو الحبُّ الذي لم يقله “جميل” صراحةً لـ”بثينة”، في وادي القرى، ولم تسمعه “عزة” من “كثيِّر” في آلامه الشعرية، الممتدة بين المدينة في أول نورها، ومصر في آخر قدمها، هو الحبُّ إذن الذي لم يرد في درس المعلقات، حين أخبرنا المعلم الكهل أنَّ “عنترة” قال في دار “عبلة” بـ”الجواء” ما لم يغادره الشعراء من متردَّم، وهو الحبُّ الذي يصير أمامه جنون “قيس” في “ليلى”، في بادية الشام، وأطراف الحجاز، عقلٌ راجحٌ وتعقلٌ زائدٌ، فكلُّ حبٍّ مرَّ بـ”جبيل” له أسطورته المشتقة من اسمَيْنا: فهي “أيا” وحرف ناقص يصلح للسُكنى، وأنا اسمها “النادر”.
في شوارع “سوق جبيل” المرصوفة بحجارة من سجيل الشوق، مشَيْنا الخطوات التي لا تخطئ رائحة الحب، وعلى أدراج “حريصا” الرخيَّة كصوت المؤمن في الصلاة، صعدنا أقرب سماء إلى المحبة، تحدَّثنا الودَّ بلغته الفينيقية، وأكلنا “السمك” الذي أتمَّ واجباته الطبيعية بالتزواج، وشربنا “الأبيض” و”الأحمر” في كؤوس متشابهة كأثيرٍ منِّي وأثيرٍ منها، وعلى شاطئ جونيه أعدنا تصوير الأغنية الخفيفة للمرأة التي نزلت متخففة إلى البحر لتتبادل الأسماء مع الشمس، وبواسطة “تلفريك” عبرنا الهوى الذي “جانا” مرة و”رمانا” ألف مرَّة: كنتُ عاشقاً من صيغة “عبد حليم”، وهي امرأة من فصيلة “ناديا لطفي”؛ وفي لبنان فقدنا ما ورثنا من جينات ثقيلة، فصرتُ ابناً حديث النسب لـ “نزار قباني”، واستردَّت هي تاج “بلقيس”.
وكنَّا في “شارع الحمرا”، فعاد للحبِّ لونُ القُبل في الغروب، أصافحُها فيسيلُ الشوقُ نبيذاً، أناديها: “تعالي”، فتردُّ بصوتِ أرستقراطي يرفعني ثلاث طبقات اجتماعية: “أنتَ ما انتظرته من الحبِّ”، أرسمُها على جدار بيت نأى عن بيوت العباد؛ فيصيرُ الحيُّ مدينة تقيَّة، أقولُ “أحبُّكِ أكثر”، فلا تكتفي، وأحسبُ أنَّ كلَّ حبِّ لم ينذر لعينيها لا يبلغ مرتبة العشق، وأنَّ كلّ عشقٍ ليس في سبيلها سيؤدِّي إلى الوفاة دون الشهادة. في مقهى معتم في ظلال “الحمرا”، استعاد الحبُّ ألوانه الحارة، وكانت جذابة كأول تفاحة سقطت على الأرض، وأذكر أنِّي قلتُ بصوتٍ ارتقى أرستقراطياً: “أنتِ كلُّ ما لم أجده في الحبِّ”.
رأيتُ الحبَّ، كان طائراً لا يجيدُ الغناء، يقفُ على صخرة الروشة الصغرى، يقلد غناء طائر على صخرة الروشة الكبرى، ومرَّ الماء بينهما، وأخذ الغناء إلينا، وكان الوقتُ ليلاً، فعمَّ الصباح، وما الصبحُ يا حبيبتي؟ هو أن تأتي أنتِ من الشرق، ثمَّ تشرق الشمس من أيِّ جهة تريد، وجئتني من الشامِ، وجئتكِ من الماء، وانتهى مسيرنا آخر “الكورنيش”، كانت يدكِ في يدي مبسوطة كلَّ البسط، وعند الوداع أصبحت مغلولة إلى عنقي، وودُّعتكِ، حين لا مفرَّ، وداعاً يحنُّ إلى لقاء، وكنتُ على ثقة أنَّ كلَّ حبٍ لا ينزل إلى “الروشة” لن يقيم على الأرض، وأنَّ كلَّ حبٍّ لا يصعد “جبيل” لن يطال السماء!

[email protected]

تعليق واحد

  1. هداك الله
    للصعاليك في تاريخ الادب العربي موروث ما زال يذكر, و ابو نواس بغزلياته الشاذة ما زال حيا بشعره, و كل ما جن أديب أثره ما زال موجودا, هداك الله و أعانك ..

  2. فنان الكتابة العاطفية
    فنان الكتابة العاطفية بلا منازع تطاوعك اللغة والافكار والصور.. الله يحميك

  3. صباح الخير
    الصبح أن تأتي انت من الشرق ، ثم تشرق الشمس من اي جهة تريد ، وجئتني من الشام ، وجئتك من الماء ". جميلٌ يا نادر ربطك المجيء من الشام ومن الماء … فالشام حياة البلاد … والماء حياة كل شيئ …. صباح الخير

  4. هذا هو لبنان الحب
    أحلى مافي لبنان أنه يفقد زائره ماورثه من جينات ثقيله…مقالك ممتع

  5. قلب عاشق
    عاشق حتى نهاية الشعر انت يا ايها الكاتب الانيق.. كل قال لك قصة جديدة وحب طازج .. قلبك ندي ولا يحتمل الفراغ.. كون عاشقا دوما كما انت والا خسرت نفسك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock