ترجمات

حرب أفغانستان انتهت.. وأميركا خسرت

توماس جوسيلين* – (مركز الدفاع عن الديمقراطيات) 18/10/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

طالبان، التي تعرف أن الولايات المتحدة يائسة للمغادرة، هاجمت لتوها اجتماعاً بين مسؤولين أفغان وقائد عسكري أميركي رفيع.
*   *   *
خسرت أميركا الحرب في أفغانستان. لكن واشنطن ربما لا تريد أن تعترف بذلك، ويصر الجيش الأميركي على أن الصراع هناك في حالة “جمود”. ولكن، لا يخطئن أحد: لقد خسرت الولايات المتحدة حرب 11/9 الأصلية.
يوم الخميس، 18 تشرين الأول (أكتوبر)، هاجمت حركة طالبان اجتماعاً بين مسؤولين أفغان وقائد كبير في الجيش الأميركي في أفغانستان، الفريق أوستين س. ميلر. وقد أصيب بعض الأميركيين الحاضرين بجراح، لكن ميلر لم يصب بأذى. ومع ذلك، قتل ثلاثة مسؤولين أفغان على الأقل، بمن فيهم الجنرال عبد الرازق، وهو حليف وثيق للأميركيين ووسيط قوة مهم في جنوب أفغانستان. وكان البيان الأولي للجيش الأميركي حول الهجوم مثالاً جيداً على التنافر المعرفي. فبدلاً من إدانة الهجوم بالكامل، زعم الكولونيل ديف باتلر، المتحدث باسم القوات الأميركية في أفغانستان، أنه كان مجرد “حادثة أفغان ضد أفغان”. وهذا تشخيص غريب بالنظر إلى أن طالبان سرعان ما أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم، وأن الهجوم أسفر عن مقتل قائد حاسم مناهض لطالبان، كما أصيب أميركيون بجراح، وكل ذلك في حضور الجنرال الأميركي الأعلى المسؤول عن المجهود الحربي في أفغانستان.
سوف يبدو رد الفعل الأميركي على هذا أكثر منطقية عندما يدرك المرء أن أميركا لا تحاول أن تهزم طالبان، وإنما تبحث بيأس عن طريق للخروج، وتعمل على تلميع صورة طالبان من أجل تبرير ذلك الخروج.
وقد تُرك للدبلوماسيين الأميركيين أمر التفاوض على صفقة تحفظ ماء الوجه -واحدة يمكن للولايات المتحدة أن تغادر بعدها من دون الظهور بمظهر الخاسر. لكن هناك العديد من الأسباب للاعتقاد بأن هذه المغامرة الدبلوماسية مضللة وفاقدة الوجهة.
في وقت سابق من هذا الشهر، التقى وفد أميركي بقيادة زلماي خليل زاد، الذي تم تعيينه حديثاً في منصب الممثل الخاص للولايات المتحدة للمصالحة الأفغانية، مع ممثلين عن حركة طالبان في العاصمة القطرية، الدوحة. ولم يكن ذلك اجتماعاً بين جانبين ملتزمين بنفس المقدار بكسب الحرب. وتعرف طالبان، التي تنافس -أو تسيطر- على نصف أفغانستان، أن الولايات المتحدة في حاجة ماسة إلى المغادرة، حتى أنها لا تحاول كسب الحرب.
عندما أعلن الرئيس ترامب استراتيجيته للحرب في آب (أغسطس) 2017، أكد أن نهج الولايات المتحدة سوف يكون مستنداً إلى الظروف على الأرض، وليس على الجداول الزمنية العشوائية. وقال ترامب، محقاً، إن الرئيس أوباما أعلن خطأ منذ البداية أن زيادة قصيرة الأجل في عديد القوات الأميركية في أفغانستان سوف تنتهي في تاريخ محدد. وقد عرفت طالبان وحلفاؤها أن عليهما الانتظار 18 شهراً فقط، وبعدها ستكون التعزيزات الأميركية التي أرسلها أوباما قد غادرت. وعلى المستوى النظري، كان يجب أن تكون استراتيجية ترامب أكثر واقعية -مدفوعة بالتقدم الذي يتم إحرازه في القتال. لكن الوضع على الأرض لم يتحسن.
في حين أن ترامب بشر بالصبر، فقد كان الصبر دائماً قليل المعروض. ولم يعلن الرئيس بعد عن جدول زمني للانسحاب، لكن ذلك يمكن أن يتغير قريباً. وقال مسؤولون أميركيون رفيعون لصحيفة “ذا ويكلي ستاندرد” إن الرئيس ترامب يمكن أن يعلن عن انسحاب في غضون أشهر. ويمكن للرئيس المتقلب أن يغير رأيه دائماً، لكن مسؤولي الإدارة يتصرفون كما لو أن الوقت قد نفد مسبقاً.
يعزز سلوك الرئيس هذا التصور فحسب. فلم يزر ترامب أفغانستان ولو مرة واحدة منذ أصبح قائداً أعلى للقوات المسلحة، ولا حتى بعد أن أعلن عن التزامه بـ”كسب” الحرب في العام الماضي. وخلال مقابلة في 16 تشرين الأول (أكتوبر) مع وكالة الأسوشييتد برس، سُئل الرئيس عن السبب في أنه تجنب زيارة القوات التي تحت قيادته في الميدان. وأجاب ترامب: “حسناً، سوف أفعل ذلك عند نقطة ما، لكنني لا أعتقد أنه ضروري للغاية. كنت مشغولاً جداً في كل شيء يحدث هنا. الآن، لدينا أعظم اقتصاد في تاريخ بلدنا”. وبعد تغيير الموضوع، أضاف أنه لم يكن هناك أي أحد “أفضل” منه للجيش، لكن الفكرة الأساسة لا تتغير -كان الرئيس منفصلاً عن المجهود الحربي في أفغانستان.
في حقيقة الأمر، لا يقول ترامب شيئاً يُذكر عن الحرب في هذه الأيام. ليست هناك خطابات رئيسية، ولا مؤتمرات صحفية، ولا تفسيرات في مقالات رأي يشرح فيها للشعب الأميركي لماذا ينبغي للولايات المتحدة أن تسود. وفي الواقع، يقول قادة الجيش الأميركي عكس ذلك تماماً.
خلال خطبته الوداعية في أوائل أيلول (سبتمبر)، أعلن الجنرال جون دبليو نيكلسون الابن، الذي أشرف أولاً على مجهود ترامب الحربي: “حان الوقت لإنهاء هذه الحرب في أفغانستان” لكن الحروب لا “تُنهى” -إنها إما أن تُكسَب أو تُخسر. ولم تُهزم طالبان بالتأكيد. وبالعديد من الطرق، أصبحت المنظمة أقوى مما كانت عليه في أي وقت منذ أواخر العام 2001. والتصرف كما لو أن أميركا تستطيع ببساطة أن “تنهي” الحرب، هو النهج نفسه الذي اتبعه الرئيس باراك أوباما، الذي زعم أنه جلب الحرب في العراق إلى “نهاية مسؤولة” في العام 2011. وبطبيعة الحال، لم يحدث ذلك أيضاً. وخلق الفراغ الذي تركه الانسحاب الأميركي، بالاقتران مع الحرب التي نشبت في سورية، الفرصة للجهاديين الذين انتشروا كالفطر وتحولوا إلى خلافة “داعش” المعلنة ذاتياً.
تريد إدارة الرئيس ترامب تصديق أن القصة يمكن أن تؤول إلى نهاية أكثر سعادة في أفغانستان. وتقول وزارتا الدفاع والخارجية الأميركيتان إن التوصل إلى “تسوية سياسية” مع طالبان هو أمر ضروري. لكن الطرح هذا ليس واقعياً. ولنفكر في ثلاث حقائق أساسية، والتي يرجح أنها ستجهض جهود خليل زاد للمصالحة:
(1) تسعى طالبان إلى إعادة إحياء “الإمارة الإسلامية” التي كانت قد أسستها في أفغانستان. وعندما أكدت طالبان مشاركتها في محادثات الدوحة في وقت سابق من هذا الشهر، قالت المجموعة إن ممثلين من “المكتب السياسي” لـ”إمارة أفغانستان الإسلامية” التقوا مع الأميركان. وربما لا يبدو هذا الإعلان شيئاً كبيراً، لكنه كان بمثابة صفعة على الوجه.
في السابق، وافقت إدارة أوباما، التي كانت يائسة هي الأخرى للتفاوض، على السماح لطالبان بأن تفتح مكتب الدوحة في العام 2013 تحت شروط معينة. وبينها: لم يكن يفترض في ذراع طالبان في الدوحة أن يسمي نفسه “إمارة أفغانستان الإسلامية”. فذلك هو اسم نظام طالبان الاستبدادي، الذي حكم أفغانستان حتى أواخر العام 2001. ولم يكن هناك أي متسع لوجود حكومة منتخبة متحالفة مع الغرب في إمارة طالبان الإسلامية. وقد طمأنت إدارة أوباما الحكومة الأفغانية إلى أن طالبان لن تشير إلى نفسها باسم “إمارة أفغانستان الإسلامية”. لكن ذلك كان أول شيء فعلته. وعندما فتحت طالبان مكتبها في الدوحة في حزيران (يونيو) 2013، رفع رجالها يافطة كتبت عليها عبارة “إمارة أفغانستان الإسلامية”، متسببين بذلك بالحرج للولايات المتحدة وحلفائها الأفغان.
الآن، بعد أكثر من خمس سنوات، ما تزال طالبان تطلق على نفسها اسم “إمارة أفغانستان الإسلامية” -في الدوحة وفي الوطن على حد سواء. وتقوض هذه الحقيقة الأساسية كامل فرضية المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة. وتريد واشننطن من قيادة طالبان أن تتصالح مع الحكومة الأفغانية. لكن طالبان جادلت كل الوقت بأن حكومة الرئيس أشرف غاني غير شرعية. ووفقاً لطالبان، فإن نظاماً “إسلامياً” فقط -بمعنى إمارة إسلامية- هو الذي سيكون شرعياً. وكانت طالبان عاكفة على بناء هيكل حكم موازٍ منذ سنوات، مع مَن يُدعون “حُكام الظل” الذين يشرفون على جهودها في كل أنحاء البلد. وفي آب (أغسطس)، أخبر أمير طالبان، هبة الله أخوندزاده، رجاله بأن عليهم الاستعداد لحكم مزيد من الأرض في المستقبل القريب. كما رفضت طالبان أيضاً الانتخابات الأفغانية المقبلة، وقالت أن تعطيلها هو “واجب ديني”.
لا ينسجم أي من هذا مع القول إن طالبان سوف تتصالح مع الحكومة الأفغانية وتشارك في عملية سياسية. وبدلاً من ذلك، تستعد “إمارة أفغانستان الإسلامية” التي تعتنقها طالبان لحكم جزء كبير من البلد مرة أخرى، أو كله. ومن الممكن أن توافق طالبان على نوع من التقسيم المؤقت، وإنما لا يجب أن يثق أحد بأن هذا الاتفاق يمكن أن يدوم طويلاً.
(2) تواصل باكستان إيواء قيادة طالبان العليا. وقد أوقفت إدارة ترامب المساعدات العسكرية لباكستان في محاولة للتعبير عن موقف حازم تجاه ازدواجية دولة حليفة. وعلى مدى سنوات، كانت المؤسسة العسكرية والاستخبارية الباكستانية تؤوي كبار قادة طالبان، بمن فيهم أعضاء ما تدعى “شبكة حقاني”. ويبقى الحقانيون متحالفين وثيقاً مع تنظيم القاعدة، وقد كسبوا المزيد من القوة داخل هيكلية طالبان الهرمية بمرور الوقت. وأصبح القائد رقم اثنين في طالبان هو أمير الحرب، سراج حقاني، الذي يشرف على العمليات العسكرية للمجموعة.
في أيلول (سبتمبر)، أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن حب إدارة ترامب القاسي لم يغير سلوك باكستان. ونتيجة لذلك، يعمل الكثير من قادة طالبان بحرية في توجيه التمرد الأفغاني عبر الحدود. وهم ليسوا تحت أي تهديد مباشر وليس لديهم أي حافز حقيقي ليأمروا رجالهم بأن يضعوا سلاحهم. وهذا يجعل من الأقل احتمالاً أيضاً أن توافق طالبان على صفقة يمكن أن تغير اللعبة. ويجب أن لا ننسى أن باكستان هي التي ساعدت استيلاء طالبان على السلطة أول الأمر في التسعينيات. والآن، بعد عقدين من ذلك، يمكن أن يفعل الباكستانيون ذلك مرة أخرى.
(3) لم تنبذ طالبان تنظيم القاعدة. وكانت حكومة الولايات المتحدة قد طالبت أصلاً بأن تنآى طالبان بنفسها عن القاعدة قبل الجلوس للتفاوض. لكن وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، تخلت عن هذا المطلب قبل سنتين، بعد أن أصبح واضحاً أنه لم يكن يشكل نقطة بداية مناسبة. وكانت لدى طالبان فترة زادت عن 17 عاماً لكي تنآى بنفسها عن القاعدة، لكنها رفضت أن تفعل ذلك. وما يزال زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، موالياً لأمير طالبان، هبة الله أخوندزاده. ويقاتل رجال الظواهري تحت راية طالبان من أجل إحياء “إمارة أفغانستان الإسلامية”. وسوف يكتسب الموالون للقاعدة في كل أنحاء العالم المزيد من الشجاعة إذا ما نجحت طالبان في مساعيها. وحتى لو أن طالبان أصدرت بعض التصريحات التي تتعلق بهذه القضية، فإن الشيطان سوف يسكن في التفاصيل. ويمكن أن تستخدم طالبان لغة مبهمة تبدو واعدة، لكنها بلا معنى على الإطلاق في نهاية المطاف. ومن غير المرجح إلى حد كبير أن تنبذ طالبان تنظيم القاعدة بشكل قاطع في هذه الآونة.
لم تعد الولايات المتحدة تحاول إلحاق الهزيمة بطالبان بعد الآن. وبدلاً من ذلك، تريد إدارة ترامب الخروج من أفغانستان، كما كان حال إدارة أوباما من قبلها. وتعرف طالبان هذه الحقيقة، وهي أكثر من سعيدة بإملاء شروط الانسحاب الأميركي. هذا هو ما يجري التفاوض عليه الآن. كما يعرف الجهاديون أيضاً أن الحروب تنتهي بالانتصار أو الهزيمة -وأن انتصارهم أصبح في متناول اليد.

*زميل رفيع في مركز الدفاع عن الديمقراطيات.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Afghanistan War Is Over. We Lost.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock