أفكار ومواقف

خبز الصاج وكعك مسمسم

أحد الاردنيين من أبناء البادية أبدى استغرابه من قرار الحكومة رفع اسعار الطحين باستثناء ما يتم تقديمه للمخابز باعتبار انه من فئة ما زالت تخبز خبزها في البيت ولا تشتريه من السوق، وانه وأمثاله من الاردنيين الذين لم يعتادوا بعد على “خبز السوق” سيلحق بهم الضرر من هذا القرار، وسيتحملون هذا الارتفاع في سلعة اساسية مثل الخبز، او سيلتحقون بالغالبية العظمى من المواطنين الذين يشترون خبزهم من الافران.


القضية ليست في خبز البيت، بل في التسلل البطيء الذي مارسته كل الحكومات نحو رغيف الخبز، والمبرر دائما رفع الدعم. ومنذ عام 1996 وحتى الآن منتجات القمح ارتفعت اسعارها مرات عديدة، فهنالك ما يسمى الخبز المحسَّن الذي قالت نقابة اصحاب المخابز انها قامت بتخفيض سعره الى (24) قرشا دون تغليف، دون ان تشير الى ان سعره قد ارتفع قبل فترة الى (27) قرشا.


هناك في السوق خبز الصاج الذي يتعامل معه الناس باعتباره سلعة تراثية مع المنسف وسعر الرغيف (7) قروش، وايا كانت تكلفة الصناعة الا انه لا يوجد (من وزن وقمح) ما يبرر هذا السعر المرتفع، يضاف الى هذا خبز الحمام الذي وصل سعر الكيلو الى (60) قرشا تقريبا، فأي مادة تتم صناعة هذا الخبز منها! “وخبز رمضان” الذي وصل سعر الرغيف الى ربع دينار!


العودة دائما الى المربع الاساسي وهو النهج الاقتصادي الذي يرفع يد الدولة عن السلع والخدمات الاساسية، وما بين العطف والخوف والحسابات تتهرب الحكومات من كل استحقاقات هذا النهج. هذا الهروب جعل الدولة تدفع مئات الملايين على شكل معونات ومؤسسات عون اجتماعي، لكن الثمن كان كبيرا وهو تكريس المعونات الاجتماعية والسياسية بكل اشكالها وآثارها السلبية.


لكن سيبقى الخوف يلاحقنا بأن تنجح جهود بعض الفئات التي تؤمن حتى بخصخصة التعليم والصحة. هذه الجهود التي تأخذ احيانا منحى تقديم القطاع العام باعتباره رمزا للترهل، او بأساليب اخرى، وستترك الحكومات المواطن يواجه السوق بدخل محدود وبرواتب ليست مرتبطة بتكاليف المعيشة.


طبعا ندرك صعوبة الوضع الاقتصادي واضطرار الحكومات الى قرارات صعبة، لكن حتى ما تسميه الحكومات شبكة الامان الاجتماعي فإنها لم تشكل سياسة متكاملة عابرة للحكومات، بل قرارات خاصة بكل حكومة، فكانت مرة زيادة رمزية على الرواتب، ومرة كوبونات، ومرة مبلغ لتعويض رفع الاسعار، وأسوأ ما في الامر تلك العقلية التي عملت على توسيع جمهور متلقي الصدمات الرسمية سواء عبر صندوق المعونة او غيرها من المؤسسات او الوسائل التي كان من ضمنها نواب المجلس السابق.


ما بين الخبز المدعوم او الخبز المحسن وأسعار البترول وانسحاب الدولة من السوق بلا حتى سلطة رقابة.. ثمة سؤال كبير، وكبير جدا، حول شكل المجتمع وتركيبته الاقتصادية، واذا كانت الحكومات تسترضي المواطن الآن بزيادة راتب او تعويض لمدة واحدة ودعم جزء من الخبز، اذا كان هذا يحدث الآن فماذا بعد (التحرير الكامل) لأسعار المحروقات؟! وهل لدى من يصنعون القرار رؤية واضحة ام ان الامر تمرير مراحل وقرارات!


اذا عدنا الى المواطن العادي فإن سؤاله البسيط يطرح هاجساً حقيقياً؛ فأحد الناس في قرية اردنية تحدث بسخرية: لماذا تحسدنا الحكومة ان نأكل “هريسة”، وأحدهم تحدث عن (الكعك المسمسم) الذي (يغمسه) الناس في الشاي والذي اصبح الآن سلعة غالية، وحتى ساندويش الفلافل فقد ارتفع سعره لأن خبز السندويش غير مدعوم.


الحكاية لن تتوقف عند الجاتوه، بل الى امور كانت دائما عنوانا لغذاء او حلوى الفقراء، وربما سيكون الكعك والشاي بعد فترة حلوى في الفنادق الفاخرة.


[email protected]

تعليق واحد

  1. تصديقا لحديث
    (( ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا.))
    صدقت يا رسول الله.

  2. بين الفانك و المعايطة
    قبل أيام كتب الدكتور الفانك في عموده بالرأي عن توسع الطبقة الوسطى و استدل بنسب الأسر التي تمتلك موبايلات و تلفزيونات و كمبيوترات. أما اليوم فيتحدث السيد المعايطة عن اتساع دائرة الفقر نتيجة للأرتفاع المتواصل للسلع و آخرها الخبز. حقيقة فالوضع محير و نحن نتحمل نتيجة سلوكياتنا. فمثلا كنا نحصل على نفط رخيص من العراق و قمح مدعوم من أمريكا و قد توقف كل ذلك و علينا أن نقلع شوكنا بأيدينا حيث أننا بحمد الله لم نتعرض لحروب أو كوارث. ما نحتاج أليه هو تخطيط سليم و طويل الأمد و يتوقع الأسوأ.
    فمثلا في قطاع التعليم العالي هل نحن بحاجة ألى هذا العدد الكبير من الجامعات و الأدارات، ألا يمكن دمج الجامعات التي تقفي نفس المنطقة تحت أدارة واحدة.
    و في قطاع الصحة هل نحتاج ألى مستشفيات مركزية كبيرة يصعب الوصول أليها و صيانتها أم نحتاج ألى مستشفيات صغيرة موزعة في جميع المناطق.
    و في مجال المياه و منذ أكثر من عشرين عاما و الفاقد لم يتغير من 50%. هل حقيقة هنالك فاقد حقيقي أم سرقة للمياه.
    يقال" أن خير العلاج الكي"
    سؤال: البنوك تحقق أرباح بحدود المليار دينار سنويا؟ من أين تأتي و من يدفع هذه الأرباح؟.

  3. وزارة الصناعة والتجارة
    هناك مراكز توزيع للطحين المدعوم منتشرة في كافة انحاء المملكة تبيع الطحين بالسعر المدعوم اي بسعر 99.5 دينار للطن الواحد وهوالسعر السابق

  4. الي امه خبازة ما بجوع
    شكرا لك اخ سميح على هذا الموضوع الرائع فعندما تتكلم عن همومنا نحس انك لسان حال كل واحد منا وانك اردني غيور تأكل كما نأكل وتشرب كما نشرب فتحس وتتألم كما نتألم .
    اتمنى على ذوي القرار الجائر الظالم والذين لا يعرفون كم يعنينا رغيف الخبز فلولا رغيف الخبز لماظأطانا الرؤوس وما ذلت النفوس ، بحكم انني اعيش في قرية اسمع الاهآت والحسرات من امي العجوز حيث اصدرت لنا قراراقطعيا بانها لن تخبز لنا بعد اليوم رغم ان امي تعشق الخبز والفرن كما تعشق ابائها كانت تقول امي ان الخبز والماء نعمة لا يستطيع احد من البشر ان يمنعها عن احد يا الله كم كنت خائفا ان تموت امي فيموت الفرن والرغيف من بعدها فمات الرغيف والفرن وما زالت امي ويا ريت يصدق المثل الي امه خبازة ما بجوع

  5. الكعك وخبز الحمام
    شكرا لك يا اخي انك دائما تكتب عما يجول بخواطرنا. يا اخي خليهم يرفعوا اسعار كل شي الا الخبز بانواعه وتستغرب ليش ؟ لان لما يلح علي الاولاد ان اخدهم لمطعم اسوة بزملائهم اضطر هنا لشراع ربطه خبز حمام او همبرغر واقلي كم حبة بندوره على قرنيين فليفله مع راس بصل واضحك عليهم بوجبه هي من وجهة نظري قمه في النظافه وكمان مغذيه ومفيده من عدة نواحي. لذلك يا اخي نحن نرجوهم ان لا يتقربوا من الطحين ويعوضوا باشياء ثانيه احنا الناس البسيطين ما النا دعوه فيها. ومره اخرى مشكور يا استاذ سميح

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock