أفكار ومواقف

خطاب التبرؤ

تتولى “الغد” بصورة خاصّة، عبر كتابها المميزين اليوميين وغير اليوميين، حملة الكتابة النقدية والتنويرية في مواجهة التطرف والإرهاب. وأخصّ بالذكر الكاتب والباحث إبراهيم غرايبة والشاعرة والكاتبة زليخة أبو ريشة، لصراحتهما وإخلاصهما في التحليل والحفر على الجذور الفكرية والاجتماعية والنفسية في تكوين التطرف والكراهية والإرهاب.
لم يعد ممكنا المجاملة وقد وصلنا مع الفكر المتطرف إلى مستويات غير مسبوقة من التوحش والإجرام، لم تخطر في خيال. وليس ممكنا المجاملة مع أشكال من الخطاب المتنصل من المسؤولية، والمتعاطف في الجوهر مع الجهادية الداعشية والقاعدية والسلفية عموما، وهو كلما ازداد الضغط عليه يلجأ إلى حيل شتّى من التبرئة إلى التبرير إلى التبرؤ.
نتذكر عندما بدأ الإرهاب في العراق على يد الزرقاوي وجماعته بقطع رؤوس أمام الكاميرات، وإرسال الانتحاريين إلى المؤسسات وتجمعات المواطنين والأماكن الدينية وحتى الجنازات التي تخرج لتشيع ضحايا تفجير سابق؛ كيف كان خطاب الإسلاميين عندنا، والكثير من الكتابات والتعليقات، تنفي هذه الأفعال عن الجهاديين، و”تتشاطر” في نسبتها إلى المتآمرين على الإسلام والمسلمين لتشويه صورة الجهاد. وهذه التبرئة بالضبط قرأتها مثلا بعد يوم على تفجيرات عمان، في تصريح لأحد قيادات جبهة العمل الإسلامي، الذي قال إن القوى الصهيونية والغربية التي تعجز عن مواجهة الجهاد تلجأ إلى هذا الأسلوب لتلطيخ سمعته وصورته في عيون الرأي العام.
الحقيقة أن هذا الأسلوب استمر سائدا منذ أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 وتدمير برجي نيويورك. وهو يستفيد من التقبل العام لنظرية المؤامرة التي إن لم تذهب إلى تبرئة “القاعدة” من هذه الهجمات، فإنها تضع “القاعدة” كلها في إطار المؤامرة، بوصفها صنيعة ظاهرية من الأعداء لتبرير الهجمة على الأمة واحتلال أفغانستان ثم العراق… إلخ. وقد تكرر الأمر مع ظاهرة “داعش”.
وقد يقبل البعض نظرية المؤامرة عن غير قصد أو أجندة مضمرة. لكن بعض التيارات السياسية، ومنها تيار الإسلام السياسي، تشجعها وتغذيها بقصد الاستثمار فيها للهدف نفسه، وهو تغذية الصراع الديني والتعبئة لتيارهم، باعتبار أن الأمة مستهدفة من قوى الشر أعداء الإسلام الذين يقومون بكل هذه الأفاعيل.
أما خط الدفاع الثاني، حين لا يكون هناك مجال لإنكار نسبة هذه الأفعال للجماعات الإسلامية الجهادية، فهو التبرير. إذ مع كل عملية إرهابية دموية، يكون التبرير بأنها ردّة فعل على ما أصاب شعوبنا من ويلات من الاستعمار وإسرائيل المدعومة من الغرب. ويحارب هؤلاء كل تعاطف مع الضحايا، بالتذكير بضحايانا؛ ابتداء بضحايا الاستعمار الفرنسي للجزائر، وليس انتهاء بالجرائم الإسرائيلية وعمليات الإعدام الممنهجة للشبان الفلسطينيين هذه الأيام في الأراضي المحتلة.
أما خط الدفاع الثالث والأخير، فهو التبرؤ من الأفعال وأصحابها، حين لا يعود ممكنا حتى تبريرها. وهذا الأسلوب هو الذي يسم الخطاب السائد الآن إزاء “داعش”، مع أن خليطا من الأساليب الثلاثة يبقى موجودا ويتم استخدامه في كل مناسبة.
خطاب التبرؤ يسير على نفس نهج خطابي التبرئة والتبرير. وقبل يومين، كان أحد كتاب “الغد” يسلسل العمليات الإجرامية ويسأل بعد كل واحدة عن الفاعل! أليسوا عربا أو مسلمين؟ ألا يقومون بها سندا لما يفترضون يقينا أنه الإسلام؟ ليس مفيدا أو ليس كافيا على الأقل القول إن ما يفعله “داعش” ليس من الإسلام في شيء، وأن الدواعش ليسوا على الإسلام الصحيح.
يجب الحفر في الأسس والمفاهيم التي سادت في الدين وفي الحياة، وأوصلتنا إلى هذه الظاهرة التي صدمتنا بكل ما فيها من قسوة وتوحش وظلامية.

تعليق واحد

  1. "الجريمة واسبابها"
    بداية القارئ في مفردات الجريمة والقارئ في مسبباتها كلاهما يقف ضدها وليس لأحد ان يتهم الآخر اويفهمه مبررا اومبرأ استاذ جميل اضف الى ذلك ان كان فلان ضد زيد لايعني انه مع عبيد وكما قيل عدو عدوي ليس بالضرورة ان يكون صديقي ؟ امّا موضوع اسباب الصراع وانتشاره هوتقاطع مصالح كلا طرفي العداء اصلا الإرهاب واميركا ؟ امريكا لاتريد محاربته في ارضها والإرهاب غير قادر على الوصول اليها مما خلق بؤر التوتر وانتشارها في العديد من المناطق؟ امّا موضوع بدعتهم (نظرية المؤامرة) التي يواجهون بها من يكشف دفينهم وحتى لانتهم ؟؟ ان جازلنا السؤال هل غرقت المنطقة في آتون هذا الإرهاب قبل احتلال العراق ودماره وتسريح جيشه واعدام سيد الرؤساء(الشهيد صدام حسين وديمقراطية الدبابة ودستور برايمر سيئ الذكر الذي مهّد للفتنه وتقسيم العراق وفق المذهبية والعرقيه؟؟؟؟اوبعد كل ذلك؟؟؟ ولابد من الإشارة ومن خلال المتابعة الحثيثة ان جميع الكتّاب والمعلقين على صفحات الغد الغراء وان اختلفت ارائهم وتعبيراتهم كانوا سواء مع غيرهم طرحا ضد الإرهاب وان كان هناك من التحفظ فهو خشية الإنزلاق في آتون حرب المصالح القذرة التي زادها خلط الأوراق لزيادة العديد واللهيب؟؟ وقانا واياك وطيسها

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock