ثقافة

رزوقة: اعمل على تقنية القصيدة التي تقول الصمت وتلهج بالمسكوت عنه

شاعر تونسي فاز بجائزة الملك عبد الله الثاني للابداع


   يعتبر الشاعر التونسي يوسف رزوقة المولود في العام 1957 بقصور الساف من الشعراء العرب الباحثين عن سؤال الشكل الشعري.



فهو الباحث في نص الاطاحة بالقناع “دون تعصب او تحيز لنمط كتابي بعينه- يتجمهر مع قصيدة النثر الكاملة- بمنأى عن لغط المزايدات المبسترة فما يهمه كشاعر هو اعلاء الجيل الشعري الثالث او (جيل الانثورة الشعرية) كجيل ليس ضداً للجيلين السابقين (العمود وشعر التفعيلة ولهذا انفتح على التجريب ليشكل انعطافة راسخة في مساره الشعري ضمن مشهد تداخلت نصوصه وتشابهت حالته بحسب ما يقوله النقاد الذين تابعوا تجربة رزوقة ونصوصه الاخيرة التي تذهب باتجاه المغامرة لتبث اسئلتها واعتمالاتها المختلفة بكثير من الجرأة والشجاعة.



* دائماً توصف بالتجديد وبالتحديث الى اي مدى ترى هذا الوصف صحيحاً في تجربتك الشعرية?



-لعل هذه السمة المهيمنة تتنزل في سياق مشروع شعري طموح بحجم تطلعات شاعر يعمل مع اقرانه من شعراء المرحلة على خلخلة السائد قولاً بالبدايات المغايرة وتأسيساً لبدائل شتى تخص عديد النواحي الهامة بالنسبة الى النص الابداعي القادم والذي نريده منطوياً على المفارقة وعلى عديد العلامات الفارقة تأسس كلها على التعاطي بشكل مختلف مع الواقع بخلفية جمالية ولغوية ورؤية مختلفة تقطع ضرورة ومنهجاً مع قرون من ذائقات التقبل التقليدية التي تعفنت بفعل تواتر الايقاع الوتيري وركاكة التشوف البلاغي والمجازي المفرغ من معناه بل من محتواه. هو طموح نحو قصيدة قادمة تقود عصرها ذا الايقاع المتسارع وفضاءها الاتصالي المعولم عبر تحويل الواقع الى رمز وشعرنة ما يبدو تقديرياً في الواقع في اطار نسيج شعري متعدد يحقق عبر انزياحاته المختلفة ادبية النص المنشود ويأسس بالتالي لقراءة المتخيل وكل هذا لا يتسنى الا بواسطة الاحتكام الى عديد الوسائط الفنية المتاحة دون اغفال هوامش ما يقتضيه النص والحياة في آن. واولى محاولات ضمير المتكلم في هذا السياق الاعتكاف على انجاز القصيدة المشروعة او الملحة الشعرية ذات النفس المارطوتني المحكم تتخلله مراوحات وبياضات ضرورية للتحلية وللتهوية وقد تم تطبيق هذا الميكنزيم (المعالجات الفنية) في كتبي الاخيرة “ازهار ثاني اكسيد التاريخ” واعلان حالة الطوارئ والفراشة والديناميت حيث تمسح القصيدة الواحدة الكتاب بأكمله وتقول عصرها وطقسها ولهاثها عبر دفق متقطع يشدنا منها للتحرك في النقصان على خلفية ان النقصان احدى تقنيات القصيدة القادمة التي تقول الصمت وتلهج بالمسكوت عنه بشكل او بأخر وعلى اثر هذا الزخم الشعري في مثل هذه الكتب الثلاثة جاءت مرحلة القصيدة الفكرة وتم تجسيدها في كتابي الاخير “يوغانا” وقد اوردت في المقدمة على سبيل المثال الاهداء ما يلي: الى الانسان الجديد روحاً ترقص في قلب الليزر ما ادرته من خلال هذا الكتاب فهو بمثابة اجندة للانسان القادم. ما معنى “يوغانا” هي سؤال الروح وهي تمارس رياضتها عبر الكلمات العازلة للعزلة, للرياح السموم ومشتقاتها لكل دخيل غير مرغوب فيه ولكل عشق مفروض من الداخل او من الخارج. وقد سألت في هذا الكتاب كثيراً فما احوجنا جميعاً في زمن الضغط العالي والتلوث بانواعه والهستيريا ان نختط لنا في هذا الفضاء الرقمي نهجاً نسميه اصلاحاً “يوغانا” نحاول عبره وعبر التلاقح تقاطعاً لا التفافاً مع يوغا الشعوب الاخرى ذات المرجعية الروحية المهيمنة والطقوس المختلفة ان نسن اجندة الانسان القادم في محاولة شعرية لانقاذه من نفسه ومن محيطه الدائري الضاغط والرابط بين حلقات الراهن المستحكمة بين الرقبة والمشنقة بين الاجداد والاحفاد وبين النحلة ورحيقها في رحلة اكتشاف المجهول على ان لا يفهم من فحوى ما نحن بصدده اننا ندعو الى الانقطاع عن واقع الانسان وضجيجه الى ما يشبه الزهد والتكهف او حتى “النستالجيا” هروباً الى الخلف الى بائد الازمة حيث الامكنة تهرب من ذويها الغرقى في الغيب والغياب وفي اشياء اخرى قد تعني الهزيمة والتهويم المزمن في سماوات اليوتوبيا بمنأى عن ارض الحقيقة ان ما نحن بصدده في هذه التجربة الشعرية ونعني “اليوغا” ومع سابق الاضمار والترصد هو العكس تماماً بأتم ما يحمله الاتجاه المعاكس من هرم فبناء اندهاش فلسفي فرؤية.



* القصيدة الفكرة هل تؤسس في تجربتك شيئاً من هذا القبيل?



-تتجلى فكرة القصيدة بكامل مشمشها كما يقول محمود درويش عبر تحققها واقعاً رمزاً في فضاء المتلقي المتخيل وتحديداً عبر الارتماء افتراضاً في فضاءات قد تبدو هندسية (دوائر, مكعبات مثلثات مستطيلات) الى غير ذلك يفترضها الشاعر عازلة بالاقصاء لشتى ضروب التلوث والازعاج مثلاً ما الذي يمنع انسان القرية الكونية وهو يتحرك في ذروة الزحام مساء الخميس في قلب عمان من ان يتحاشى كل احساس بالضغط النفسي الخانق جراء ذلك الزحام الا يمكنه افتراضاً ان ينصب لنفسه في رأسه خيمة وهو في ثمرة ذلك الزحام يتربع فيها بحيث يعزل عالمه الخارجي المتحرك وهو فيه داخل نفسه الساكنة فلا يتناهى الى سمعه اي صوت الا باذن منه حتى اراد ذلك وما الذي يمنع انسان القرية الكونية وهو في اوج الاصغاء الى درس في الالغاء الغاء الاخر او الرأي المخالف من ان يخرج وهو يراوح في مكانه الى الهواء الطلق طلق الوجه والاحساس كي يندس على النحو الذي يراه في قطرة ندى لم تزدها زقزقة العصفور المتمركز على قيد زهرتين منها الا ارتعاشاً لذيذاً وامتلاء بقدسية الفراغ ما الذي يمنع انسان القرية الكونية من ان يختبئ في فكرة او في نقطة لا يأتيها الباطل من داخلها او من خارجها خصوصاً حتى احكم نسيجها بالاسلاك الشائكة وما هذه الاسلاك الشائكة في واقع النص الا “يوغا الكلمات” مبتغى الشاعر الذي يهمه الان وغداً ان يخلص الانسان من حربه المدمرة مع نفسه ومن قزميتيه في عصره امام مراياها المتعاكسة ومن ارثه القطيعي الثقيل بهذا المعنى وفي سياق القصيدة الفكرة تبدو “يوغانا” محاولة شعرية املتها الرياح اللواقح لتحويل الواقع رمزاً وقناعاً.



* كأنك وفي الاعم من تجربتك الشعرية ماضٍ في التبشير بالانسان الجديد



-هو بيت القصيدة في كل تلافيف القصيدة القادمة هو روحها وجناحاها لتطير عالياً وبعيداً لقد تشيء الانسان في العقود الاخيرة وتعولم حتى تعلب وامسى حماراً اتوماتيكياً بربطة عنق ولعل الشاعر وهو يشخص النظام العالمي الجديد لانسان هنا والان بات مطالباً اكثر من اي وقت مضى باقتراح النموذج الانساني القابل للتكيف مع الزمن الراهن واكسواراته الديكورية الجديدة من هنا ينجم السؤال الحريق الى اين تمضي الروح وهي مثقلة بمثل هذا الفسفور وثاني اكسيد الكربون الم يحن بعد زمن الثورة على فكرة ان يظل الانسان على علاته مفرغاً من قيمته ضميراً مستتراً تقديره!



* ماذا تعني بالانسان القادم?



-ما نعنيه بالانسان القادم هو افرازة انسان كل يوم او انسان الرصيف والذي على هامشه تتكدس الافكار والبدائل ومن خلاله ودائماً نحو فكرة بعث الانسان القادم تطلع الشمس وتتبلور ملامح هذا الانسان الجديد عبر تراكمات مرجعية حضارية وثقافية وغيرها تتمخض وتعتمل لتكون في خاتمة المطاف القطوف الجانية والوعي الجارف وكل هذا يسهم وعبر عديد الوسائط المتاحة في البرامج المدرسية والمطالعات وغيرها في تشكيل الانموذج الانساني الذي نريد في هويته الواضحة وفي تطلعاته التي لا تعترف بايديولوجيا الهزيمة وخطابات النكسة والخنوع.



* يكاد شعرك ان يكون بمثابة رسالة للخاصة اي انها ليست رسالة عامة
والسؤال: هل تسعى الى نخبوية ما ام انك فقدت مهارة الاتصال كمرسل مع المستقبل?



-هو كذلك من حيث كونه فن العربية الاول يختزل روح المعنى والمبنى والمغنى في مستوى نظري اما في المستوى المطلوب منه هو ليس كذلك بل هو رسالة مشفرة الى عموم ضحايا الخريطة اعني القراء المنتشرين هنا وهناك في العالم كيف? بالتأكيد عبر التسلل اللامرئي لهذا الزخم الشعوري الدافق من شرايين القصيدة عبر النصوص المبرمجة سواء في الكتب المدرسية او من خلال كتب المطالعة لتترسخ هذه القصائد وما تنطوي عليه من قيم جمالية وحضارية وغيرها تصهرها ذائقة التقبل مرحلياً وعبر مدد زمنية متفاوتة او متقاربة او متباعدة ليغنم في ختامها الانسان الجديد وتكون بالتالي الطريق السالكة الى تشكيل مقومات هويته وشخصيته وسؤاله الوجودي والحضاري والانطولجي هكذا ارى فعل الشعر في انسان اليوم وسيظل هذا الفعل صاحب فعالية وجدوى ما دام الانسان وما دامت الحياة واكثر من اي وقت مضى.



* ماذا عن قرب الشعر وبعده عن المدونة النقدية?



-لقد دعونا انا وثلة من شعراء المرحلة.. عز الدين المناصرة محمد علي شمس الدين رشيد يحياوي وشمس الدين العوني في بيان شعري وقعناه في جرش 2003 ومهدناه بدستور الشعراء الى ضرورة تحقيق النقد “المتعاون” بمعنى ان يتجند الشاعر نفسه ودون سواه لنقد ما يبدعه زميله الاخر عبر آلية نقدية يحكمها حب بلا ضفاف وانتصار للنص الشعري المنجز على خلفية ان الشاعر وحده في هذا السياق يبدو الاكثر قابلية للتعاطي نقدياً مع النسخ الشعري الوارد في قصيدة ما اما الناقد الحيرة فيه او الاكاديمي الجالس على الربوة فلا يرجى منه اي نقد لعديد الاعتبارات الحافة بالعملية النقدية وبقناعة هذا الناقد الصارمة والتي تبدو احياناً في التسلسل تتوسل سؤالها النقدي بعديد المناهج المستنسخة والمسقطة دون ان نغفل الواقع الابجدي لهذا الناقد الذي غالباً ما تتطغى ذائقته التقليدية على نبلها على نقده “الهكزي” دون اغفال بعض المحاولات النقدية الجادة لدى بعض النقاد المسكونين بسؤال الحداثة وبطقوس النص الشعري.



* ولكن الا ترى معي ان مرونة النقد العربي قد انحرقت وانجرفت الى نقد القصة والرواية?



-لان المتن السردي حمار النقاد وعليه فلا يجدون عناء في تفكيك شيفرة نص روائي او قصصي عبر الاحتكام الى مناهج نظرية متاحة قالت بها المدارس الغربية في حين ان القصيدة تبدو مستعصية ومشفرة بحيث لا يدخلها الا ناقد مدجج بآليات الكتابة الشعرية: ايقاعاتها علاقاتها المستحكمة انزياحاتها لغتها معانيها ورموزها الحافة تفاصيلها المسكوت عنها تقنيات البياض فيها التوزيع البصري الى غير ذلك وكل هذا قد لا يتأتى لناقد ما تربى على كتابات طه حسين او محمد مندور او من لف لفهما فكانت النتيجة الرهبة والخشية وعدم الاطمئنان والذهول والهروب من مباشرة نص شعري عاصف بالمصطلحات وبالفاهيم السائدة وعليه تبدو العملية النقدية في هذا السياق شائكة ولا يقربها الا النقاد ذوو الجرأة والطموح النقدي غير المسبوق.



* مؤخراً فزت بجائزة الملك عبد الله بن الحسين للابداع ماذا تقول في هذا المجال?
-اقول في كتاب “يوغانا”: الجائزة الكبرى ان ينعم هذا العائد من شيخوخته” بصباه هنا في القرية في كوخ وسط الضوضاء ولا ضوضاء!!



له التسبيح العازل
والتلويح بمنديل امرأة زرقاء
هي البحر
انفتحت رئتاه
له الكلمات ولو كره الوطواط الهارب منه
الى الجهة المجهولة
لا ضوضاء!
دعوة قليلاً… مئة عام يحزم فيها كل حقائبه
ليعود الى منفاه اخيراً
عبر ملايين الحيوات الضاجة في الانسان.



   هذا في القصيدة اما في الواقع فإن جائزة الملك عبد الله للابداع لسنة 2004 والتي حصلت عليها مع صديقي الشاعر الاردني حيدر محمود فإنها تترجم مدى استجابة الضمير العربي مجسداً في الاردن لمنح قيمة ما لمبدع تبين بالاحتكام الى مجمل حصاده الابداعي انه اهل لعطاء ما وفي هذا اكبار وتثمين للدور الوظيفي الذي يلعبه المبدع العربي من اجل تجسير التواصل بين اجنحة البلاد العربية عبر الابداع وان لهذه الجائزة اكثر من معنى تتجاوز الشخوص لتنتصر للنصوص ولقد اسعدني ان احظى بهذه الدورة على امل ان يحظى بها اصدقائي مستقبلاً لتنالهم هذه الجائزة في الابداع المناسب وكل هذا يجعلنا نثمن استراتيجية البعد الثقافي التي توختها امانة عمان الكبرى بسنها لهذه الجائزة ذات المستوى العربي المرموق وفي ذلك اشارة الى مدى ما تزخر به عمان الان وهنا من تمخضات واعتمالات واسئلة تخص الشأن الثقافي في العمق وعلى نحو لا يملك المثقف الا ان يباركه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock