صحافة عبرية

صراع سوري في جنيف

هآرتس

تسفي برئيل 31/1/2016

لم يتنبأ الطبيب والكاتب السويدي اكسل مونتا أنه سيأتي اليوم الذي سيرتبط فيه اسمه بشكل غير مباشر بالحرب الاهلية في سورية. لقد نشر مونتا كتابه “وثيقة سان ميكلا” في عام 1929. وقد تحدث في هذا العمل الادبي عن سيرته من خلال تاريخ فيلا جميلة تسمى بنفس الاسم وتوجد في قرية في ايطاليا. مونتا ورث في وصيته فيلا سان ميكلا للأمة السويدية. وعند موته في 1949 أقامت حكومة السويد مركزا ثقافيا وفنيا فاخرا في المكان وشمل متحفا ايضا.
يدير الفيلا مجلس يرأسه دبلوماسي ايطالي – سويدي يدعى ستيفان دي مستورا، الذي يحمل لقب مركيز والذي كان في السابق وزيرا في الحكومة الايطالية. في الاشهر الاخيرة اضطر دي مستورا الى التغيب عن برنامجه اليومي كمدير للفيلا بسبب التزام أكبر وأهم.
دي مستورا هو المبعوث الخاص للامين العام للامم المتحدة بان كي مون في موضوع الازمة السورية. وهو سيترأس المؤتمر الدولي في جنيف من اجل محاولة احداث معجزة: اذا نجح المبعوث في دوره فان ممثلي المعارضة وممثلي النظام سيناقشون مستقبل سورية. توجد لدى دي مستورا تجربة دبلوماسية غنية تراكمت بفعل وساطته في افغانستان والعراق ولبنان ودول اخرى. لكن من المشكوك فيه أنه واجه في الماضي مفاوضات معقدة مثل التي يديرها منذ شهر ونصف في سورية.
توجد صلاحية لـ دي مستورا في ادارة المفاوضات بشكل مستقل بناء على قرار الامم المتحدة الذي اتخذ في كانون الاول العام الماضي. لكن هذه الصلاحية وهمية. فمثل خواتم السحر المرتبطة ببعضها البعض، كذلك هي القوات التي على دي مستورا أن يفككها ويعيد تركيبها. الخاتم الاول يشمل منظمات المعارضة التي تتكون من قائمتين من الممثلين.
قائمة تسمى “السلطة العليا للمفاوضات” وهي تمثل المليشيات وحركات المعارضة التي اجتمعت في السعودية في الشهر الماضي، والتي تؤيدها الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا. والقائمة الثانية تسمى “مجلس سورية ديمقراطية” أو باختصار “القائمة الروسية” وهي تشمل اشخاصا غير تابعين للقائمة السعودية، لكنها تحظى بتأييد روسيا وايران.
وفي مقابلهما تقف مجموعة تشمل ممثلي النظام السوري والتي يقف على رأسها وزير الخارجية وليد المعلم.
اعضاء “القائمة الروسية” هم بمثابة مراقبين ومستشارين وستتم استضافتهم في لوزان وليس في جنيف. وسيطرحون موقفهم بشكل غير مباشر. الوفد “السعودي” سيتكون من 15 مشاركا، اذا وافق جميعهم على المشاركة، ولن تكون هناك مفاوضات مباشرة مع ممثلي النظام بل “محادثات تقريب” مثل المحادثات التي كانت بين اسرائيل والفلسطينيين في 2010.
سيقوم دي مستورا بادارة المفاوضات ويقوم بابلاغ اعضاء “الخاتم الخارجي” ومن ضمنهم مبعوثو وزارتي خارجية الولايات المتحدة وروسيا، حيث أن لكل واحد منهم اجندته الخاصة.
السعي هو لنقاش اربع قضايا مشتعلة منها وقف اطلاق النار والمساعدات الانسانية ومحاربة الارهاب. والامر الاهم هو اقامة حكومة انتقالية متفق عليها تقوم بصياغة الدستور الجديد لسورية.
وراء كل قضية يوجد حبل سميك يمسك به كل واحد من الاطراف حسب اولوياته. النظام السوري يريد التوصل الى اتفاقات بخصوص محاربة الارهاب، أي ضد منظمات المتمردين الذين يطالبون باسقاطه.
المليشيات تعتبر أن الاتفاق حول تغيير النظام هو شرط أساسي لموافقتها على الامور الاخرى. وتطمح الامم المتحدة الى التوصل الى وقف اطلاق النار وعمل ترتيبات لتقديم المساعدات الانسانية، وتطلب الولايات المتحدة تجنيد الجميع من اجل محاربة داعش. أما روسيا فتسعى من ناحيتها الى اقتلاع تأثير واشنطن على المفاوضات والنظام المستقبلي.
في هذا الكونسرت الذي سيقوم فيه العازفون في افضل الحالات بعمل بروفا، مطلوب من دي مستورا تحديد المعزوفات وتحييد بعض العازفين وارضاء مجلس أمناء الموسيقى.
يعرف دي مستورا جيدا الصعوبة التي سيواجهها. وقد اقترح تأجيل المؤتمر الى أن يتم تحقيق تفاهمات اكثر وضوحا من قبل الجهات المعارضة. الامم المتحدة توافق على أن يكون وقف اطلاق النار تدريجيا، في البداية في المدن وبعد ذلك في الضواحي والمحيط الذي يسيطر عليه المتمردون وأخيرا في كل الدولة.
ومع ذلك لا يتفق الجميع على هذه الاستراتيجية رغم أنه في مدن مثل حمص والزبداني تم الاتفاق محليا حيث مكن ذلك من خروج المحاربين وادخال المساعدات.
هناك مشكلة واحدة من الصعب حلها وهي غياب تمثيل الاكراد السوريين عن المفاوضات. وقفت تركيا على قدميها وهددت بعدم المشاركة في المؤتمر اذا شارك ممثلون من حزب الاكراد السوري واللجان الشعبية التي هي الذراع العسكري لها.
روسيا ايضا تصمم بنفس القدر على مشاركة الاكراد، سواء لكونهم قوة عسكرية مهمة وايضا “لمعاقبة” تركيا على اسقاط طائرة السوخوي الروسية في شهر تشرين الثاني في العام الماضي.
من اجل مساعدة القوات الكردية قصفت الطائرات الروسية مدينة الرقة عاصمة داعش في سورية. وقتل خلال ثلاثة ايام بسبب القصف اكثر من 100 شخص معظمهم من المدنيين.
الولايات المتحدة التي قدمت على طول المفاوضات مواقف مطاطية غيرت موقفها ايضا في هذا الامر، واصبحت الآن تؤيد موقف أنقرة. ولكن بعض ممثلي القائمة “الروسية” يقولون إنه اذا لم يشارك الاكراد فانهم لن يشاركوا في المؤتمر. وفي جميع الاحوال لم يتم حتى الآن ارسال دعوات مشاركة للاكراد. ويبدو أن موسكو ايضا مستعدة للتنازل عن تواجدهم حتى المرحلة القادمة.
في الوقت الذي يقوم فيه ممثلو المعارضة بالاستعداد في غرف الفندق في جنيف ولوزان، فان الميدان يستمر بالاشتعال حيث يحاول كل طرف تحقيق السيطرة على المزيد من الاراضي لتعزيز موقفه في المفاوضات. وقد سجل النظام السوري هذا الاسبوع انجازا حينما سيطر على الشيخ مسكين في درعا وحيد بذلك احد المراكز الاستراتيجية للمتمردين ومنهم جبهة النصرة.
وشارك في هذه المعارك ايضا مقاتلو حزب الله والطائرات الروسية الامر الذي منح النظام السيطرة على مفترق طرق مهم يربط بين درعا والقنيطرة. وهذه ليست الساحة الوحيدة التي غير فيها التدخل الروسي الخارطة العسكرية في سورية. ففي حلب وحمص واللاذقية ايضا قامت الطلعات الجوية الروسية التي لا تميز بين الاهداف بتقوية مكانة الجيش السوري.
وزير الخارجية الروسي سرجيه لافروف يقول “إن التدخل الروسي غير بشكل جوهري الوضع في الدولة”. هذه ليست اقوال فارغة، لكن التغيير بعيد عن وضع اجابة حول المستقبل السياسي للرئيس السوري بشار الاسد.
في الوقت الحالي، بالنسبة لملايين اللاجئين السوريين، فان تقارير الاحوال الجوية أهم كثيرا من التقارير حول الأجواء في جنيف. الثلوج تغطي مناطق كثيرة في الدولة والوقود مرتفع السعر ونادر، وسعر المدفآت زاد بأضعاف كثيرة وكثير من الاشجار تم قطعها لاحراقها للتدفئة والكهرباء تصل متقطعة. وكما في فصول الشتاء الاربعة الماضية، سيبدأ في القريب احصاء الاولاد وكبار السن الذين يموتون من البرد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock