ضرورات قائمة فلسطينيي 48 المشتركة

ساهم قرار خوض الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية بقائمة مشتركة للقوى السياسية الناشطة بين فلسطينيي 48، في تغيير مناخ سياسي خيّم على أجواء هؤلاء الفلسطينيين في العقود الثلاثة الأخيرة؛ حينما ظهرت لأول مرّة قائمة ثانية تمثل التيار الوطني في هذا المجتمع. والاعتقاد السائد هو أن هذه القائمة المشتركة ستكون قادرة على تحقيق مفاجأة في نتيجتها الانتخابية، تغيّر في موازين القوى في الكنيست الإسرائيلي ككل. فبدلا من الصراع السياسي الداخلي، ستنصب الجهود الآن على رفع نسبة التصويت بين العرب، ودحر الأحزاب الصهيونية أكثر من الشارع العربي.اضافة اعلان
ومجتمع فلسطينيي 48 هو مجتمع تعددي، ككل المجتمعات السياسية؛ فيه اتجاهات أيديولوجية وفكرية وسياسية مختلفة، إلا أنها تلتقي كلها تحت سقف "لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل"، حسب التسمية الرسمية، والتي تجمع الشيوعيين واليساريين والقوميين والحركة الإسلامية بتياريها البراغماتي والمتشدد. وهي تلتقي حول القضايا المركزية الأساسية في إطار مواجهة النظام الحاكم، والسياسة العنصرية المنبثقة عن عقلية الاحتلال والاستعمار، واقتلاع شعب من وطنه، بشتى الوسائل؛ من الحربية وحتى التضييق عليه في أبسط مقوّمات الحياة.
وغالبية هذه الأحزاب، ومن خلفها غالبية الجمهور، تخوض الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في إطار رؤيتها أن الكنيست هو ميدان مهم لمواجهة النظام الحاكم في عقر داره. ولكن يبقى الأساس هو النضال الميداني الذي لم يهدأ للحظة منذ العام 1948، ويتخذ أشكالا عدة، ومرّ في مراحل تطور طبيعي، وفق ظروف كل مرحلة، وارتفاع مستوى التحدي. وفي المقابل، هناك أحد تياري الحركة الاسلامية، وحركة أبناء البلد (قومية)، يعارضان هذه الانتخابات، إلا أن الحركتين تشاركان في الانتخابات البلدية التي تجري وفق القانون الإسرائيلي، وبإشراف وزارة الداخلية الإسرائيلية.
ومنذ العام 1948 وحتى العام 1977، كان التيار الوطني بين فلسطينيي 48 يصوّت لقائمة الحزب الشيوعي الذي شكّل في العام 1977 الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وبقيت وحدها تمثل هذا التيار، وتواجه الأحزاب الصهيونية مباشرة أو القوائم "العربية" المرتبطة بها. وفي العام 1984، نشأت الحركة التقدمية للسلام، هي في أصولها مجموعة انشقت عن الجبهة. ولاحقا تعددت قوائم التيار الوطني، تيار الغالبية الساحقة من فلسطينيي 48.
ومنذ العام 1999، ثبت مشهد الكتل الثلاث، وهي الجبهة، والقائمة الموحدة التي في مركزها الحركة الاسلامية ومعها أحزاب صغيرة، والتجمع الوطني الديمقراطي. وكانت كلها تجتاز نسبة الحسم 2 %، وتراوح تمثيلها من 8 إلى 11 مقعدا.
وكي نكون واقعيين، فإن الحافز الأساسي لتحالف هذه الكتل ضمن قائمة واحدة تجمع أيديولوجيات متناقضة، كان رفع نسبة الحسم إلى 3.25 %، والتي هدفها إقصاء التمثيل الوطني لفلسطينيي 48 عن الساحة البرلمانية. وهذا هدف قائم لليمين الإسرائيلي على مدى السنين. ويكفي أن نأخذ هذا الهدف، لنعرف مدى ضيق المؤسسة الصهيونية الحاكمة من تفاعل فلسطينيي 48 السياسي، وتمثيلهم الذي يزيد من تعقيدات تشكيل الحكومات الإسرائيلية. فغيابهم عن الكنيست، كان سيعيد توزيع المقاعد البرلمانية بشكل يصبح فيه تشكيل الحكومات أسهل، وخاصة على اليمين المتشدد.
وإلى جانب هذا الحافز، فإن كل هذه القوى كانت على وعي بضرورة الالتقاء لمواجهة مخطط الإقصاء السياسي عن المشهد العام، وتحويل أداة الإقصاء إلى ضربة مرتدة على أصحابها. وهذا أيضا نوع من أنواع تحدي السياسة ومواجهتها.
الهدف الذي تضعه القائمة المشتركة اليوم، هو رفع نسبة التصويت بين العرب، وسد الفجوة القائمة في النسبة أمام الشارع الإسرائيلي، من 10 إلى 15 نقطة، ما سيعزز أكثر تمثيل هذه القائمة. وأقوى التوقعات تؤكد زيادة التمثيل بنحو مقعدين على الأقل، أي إلى 13 مقعدا وأكثر، علما أن الوصول إلى 15 مقعدا ليس مستحيلا. وهذا عدد مقاعد لا يستهان به؛ فصحيح أنه من أصل 120 مقعدا، لكن هذه الزيادة ستعيد توزيع ترتيب المقاعد بين سائر الأحزاب الصهيونية، ما سيحاصر أكثر اليمين المتشدد، ويقلل من فرص بقائه في الحكم.