منوعات

علماء ومفكرون وأدباء معوقون عبر التاريخ تحدوا العالم بإرادتهم

إسراء الردايدة

عمان– التحدي الأصعب في الحياة هو مواجهة الذات، وليس الناس، فكل فرد يعاني من خوف ما، ولكن من يتخطى خوفه، يصبح قادرا على التغيير، فكيف لمن يعاني من الإعاقة الجسدية أو العقلية، فقد لا يكون كالأصحاء، ولكن يمكن أن يتميز بقدرات إضافية أخرى، تجعله من أصحاب الإنجازات التي يقتدي بها الآخرون.
هذه حقيقة واقعة أثبتها معوقون عبر التاريخ بقدرتهم على التغيير، وصنع العجائب، بعد أن تسلحوا بالإرادة، ليصبحوا من الأوائل في مجالات مختلفة منها؛ العلوم والتاريخ والرياضيات والموسيقى والطب والصيدلة، ويؤكدوا أن الإعاقة لم تكن حجر عثرة في طريقهم، بل طريقا لإثبات الذات والتميز والإبداع.
نك فويتشيشمن، كان واحدا ممن تميزوا في هذا العصر، رغم افتقاره لأطرافه الأربعة؛ حيث ولد بلا أطراف، ولكنه تعلم المشي والكتابة والسباحة والغطس ويقف أمام الملايين بثقة، وبحسب رأيه، فإن الإنسان عندما يضع أهدافا له في حياته، فيعني ذلك رغبة منه بالازدهار، فيتوحد ذلك مع رغبته في البقاء على قيد الحياة، والتغلب على حالته، وإثبات أن لا مستحيل عند المحاولة، لتوفير أقل الاحتياجات التي يريدها.
والدروس التي يقدمها تلك في محاضرات حول العالم عميقة ومرتبطة بفلسفته في الحياة، وهي أساسا مبينة على إيمانه الداخلي بذاته، وبإنسانيته وقيمته كروح وعقل وجسد.
ويعتقد فويتشيشمن أن الخوف، يكون في اتجاهين؛ الأول سلبي يحد الفرد من المتابعة خشية من الفشل، والآخر يحفز الفرد على المحاولة، ليتغلب على الفشل، وهو النوع الذي رافقه، ونشأ في قلبي والديه، عندما أخبرهما الأطباء أنه لن يمشي، فولد لديهما الدعم والإصرار، اللذين مكناه من الوقوف والمشي.
ويقول “إن الشجاعة لا تعني غياب الخوف أبدا، بل هي القدرة على التصرف، واتخاذ قرارات متعلقة بالموضوع الذي يثير في النفس الخوف، وبهذا تكون الشجاعة قد تأصلت بالداخل”، لكنه يرى “أنه لا يجب أن نتوقف عن المحاولة أبدا، حتى ندرك أن الأمر ليس مقدرا أن يحصل، فدائما هناك فائدة أكبر تختبئ وراء عدم تحقيقه”.
ويؤكد أن الإحساس والإدراك المنطقيين، يلعبان دورا كبيرا في تحديد متى نتوقف عن المحاولة، ومتى نتابعها، فما من قانون يعمم على الأوضاع كافة، “فإذا اضطررنا للتخلي عن أحلامنا الغالية مرة، فهذا يعني أن هناك أمرا آخر قدر لنا أن نقوم به، ولن تتركنا الحياة من دون أمل، فليس من الضروري أن نرى الأمل، لنتأكد من وجوده، فهناك أمور تتمثل بأشكال مختلفة تشعرنا بوجوده”.
ومن الذين تركوا بصمتهم في عالم الفلك والفيزياء النظرية، ستيفن هوكينغ؛ صاحب نظرية الانفجار العظيم، الذي يعاني من مرض التصلب اللويحي، ولكنه جاهد للعيش بعد أن أصبح مقعدا عن الحركة لينكب على العلم، ويكتب معادلات معقدة في ذهنه، ويفخر بأنه حظي بـ”كرسي الأستاذية” الذي حظي به من قبل السير إسحق نيوتن.
ويستخدم هوكينغ، صوتا إلكترونيا بسبب إجراء عملية للقصبة الهوائية، ناتجة عن التهاب القصبة، وأصبح غير قادر على تحريك ذراعه وقدمه، حتى أضحى غير قادر على الحركة تماما، يرتبط بجهاز إلكتروني خاص موصول مع الكرسي؛ يتلقى الأوامر عن طريق حركة العين والرأس، ويعطي بيانات مخزنة في الجهاز، وهذا الجهاز هو كمبيوتر قامت بتطويره له بشكل خاص شركة “إنتلوهو”.
ومن أبرز علماء المسلمين ثلة من المعوقين الذين ابتلوا بالإعاقة، ولكنهم قدموا لأمتهم إنجازات ماتزال حتى اليوم، تؤثر في حياتهم، ومنهم؛ “ترجمان القرآن الكريم”؛ اللقب الذي أطلق على عبدالله بن عباس رضي الله عنه، حيث عانى من فقدان البصر، ولكنه نهل من علم الرسول صلى الله عليه وسلم، وانكب على العلم والحكمة والمعرفة، ليلقبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بـ”فتى الكهول”. وأبدع في العلم والفقه والرواية.
أما الإمام الترمذي، وهو من أصحاب السنن وعلم الحديث ومن تلامذة الإمام البخاري، فكان كفيفا، لكن هذا لم يمنعه من التنقل بين الأمة الإسلامية طلبا للعلم، وقد ألف عددا من الكتب المتميزة في علم الحديث والتاريخ والأدب، ومنها؛ “أسماء الصحابة”، “التاريخ”، “الجامع”، “الشمائل النبوية”، “الزهد”، “الأسماء والكنى”.
وكانت للقادة المسلمين المعوقين أيضا إنجازات كبيرة؛ منهم الفاتح الأعظم موسى ابن نصير، وكان أعرج واشتهر بفتوحاته في شمال أفريقيا وبلاد الأندلس في عهد الخلافة الأموية، وغيره من العلماء المسلمين والأدباء العرب، الذين ما يزالون يذكرون حتى اليوم؛ أمثال طه حسين الذي كان كفيفا، وأبو العلاء المعري حكيم المعرة ومحكم اللزوميات.
وللبلاغة نصيب في العبقرة، أيضا؛ فخطيب اليونان ديموستنيس كان ألثغ، فيما بوب الشاعر الإنجليزي الذي ترجم “هوميروس” كان أحدب، والفيلسوف الألماني شنيتمس كان قزما، وصاحب نظرية النشوء والارتقاء تشالز داروين، كان يعاني من مرض في الأعصاب، وأبو الشعر هوميروس كان ضريرا.
إن قهر الإعاقة نجاح كبير يتطلب إرادة قوية، والتاريخ يعلمنا أن مواجهة الخوف والذات، كافية لتحقيق المعجزات؛ فمثلا أديسون مخترع الكهرباء كان أصم، وكذلك كان صاحب أجمل الألحان الموسيقية التي هزت العالم بيتهوفن، ولكنه ابتكر أنغاما وسلالم موسيقية، طربت لها الآذان حتى اليوم، ووضع سمفونيات متناهية في الدقة والتعقيد بالشعور باهتزازت الأرض من ألحانه.
وحتى في فن الرواية، فالروائي الفرنسي اميل زولا، كان عصبي المزاج ومصابا بحالة من الهستيريا، ليخرج بأعمال إنسانية أدبية رائعة؛ منها كتابه “الكوميديا الإنسانية”، فيما الأديب الألماني غوته كان مصابا بالهوس والجنون، والشاعر جون ملتون كان كفيفا، فيما روسو الأديب والفيلسوف الفرنسي عانى من “الشيزوفرينيا”، وصاحب التماثيل واللوحات الأكثر دقة مايكل انجلو كان أعسر، والفيلسوف نيتشه كان مصابا بجنون العظمة.
وكانت هيلين كيلر مؤلفة كتابي “أضواء في ظلامي” و”قصة حياتي”، صماء وبكماء، ولكنها أديبة ومحاضرة وناشطة أميركية، وتعد أحد رموز الإرادة الإنسانية؛ إذ استطاعت أن تتغلب على إعاقتها، ولقبت بمعجزة الإنسانية، بعد أن قاومت إعاقتها، وكانت بمثابة معجزة، ومن أشهر عباراتها التي تردد إلى اليوم “عندما يُغلق باب السعادة، يُفتح آخر، ولكن في كثير من الأحيان ننظر طويلا إلى الأبواب المغلقة، بحيث لا نرى الأبواب التي فُتحت لنا”.

تعليق واحد

  1. الرغبة
    ان الأهم الرغبة في النجاح وليس الأعاقة فبالأرادة و الرغبة يمكن أن نتغلب على كل الصعوبات وتحية مني ألى كل أنسان صمد في وجه أعاقته من ىأجل تحقيق هدفه ….
    وشكرااا ….

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock