ثقافة

عودة “أولاد حارتنا” إلى دائرة المساجلات وحروب المنع والقمع

منع طبعة جديدة من الرواية المحرّمة بعد نشرها كاملة منذ 35 عاماً

 


 


   عمان-الغد- تعود رواية نجيب محفوظ “اولاد حارتنا” من جديد الى ساحة الحرب الدائرة الان على سلطة المنع والتحريم.


الاخوان خرجوا من قمقم المعارضة السرية، ويريدون ارسال رسائل الى فئات المجتمع المترقب لنتيجة وجودهم العلني في السلطة التشريعية. احدى هذه الرسائل كانت تخص “اولاد حارتنا”.


د.عبد المنعم ابوالفتوح الرجل القوي في مكتب الارشاد زار نجيب محفوظ بمناسبة عيد ميلاده الـ94 .. وقال انه لا يعترض على الرواية بل ويشجع محفوظ على نشرها.


زيارة ابوالفتوح اقامت عليه الدنيا ولم تقعدها وفتحت من جديد ملف الرواية المحرمة، ورغم ان د. ابوالفتوح قال ان كلامه هوكلام 90 % من الاخوان ، ظهر ان الحملة الشرسة عبرت عن تيار قوي مازال يرى ان اولاد حارتنا رواية كافرة وملحدة وكاتبها يستحق القتل.


   وامام هذه العاصفة نشر د. عبد المنعم ابوالفتوح على موقع الاخوان الالكتروني (فيما يبدو رسالة موجهة لجمهور معين).. تصحيحاً لخبر الزيارة قال فيه :”..انه لا يتفق اويوافق على بعض ما ورد في رواية اولاد حارتنا ..” حدث هذا بينما اعاد نجيب محفوظ على ناشره الجديد (دار الشروق) الشرطين اللذين سيوافق بعدهما على نشر الرواية في مصر الاول هو موافقة الازهر، والثاني ان يكتب الدكتور احمد كمال ابوالمجد مقدمة تسبق الرواية، والدكتور ابوالمجد هو صورة جديدة للاسلامي المعتدل . وكان محفوظ يضع معه في القائمة خالد محمد خالد والشيخ محمد الغزالي ويبدو من الاسماء ان نجيب كان يريد ان يحصل على شرعية ما من مفكرين لهم مصداقية عند جمهور الثقافة الاسلامية وفي نفس الوقت هم من البعيدين عن النظرة المتطرفة لموقع الدين في المجتمعات الحديثة.


   وبقيت موافقة الازهر و”اولاد حارتنا” هنا حالة خاصة لانه من المفروض الا يكون هناك سلطة للازهر على الاعمال الادبية، لكن مشروعاً اخر دخل على الخط وحرك فكرة النشر من جديد.


المشروع كانت بدايته اعلاناً في مجلة “الهلال” عن العدد الجديد من سلسلة روايات الهلال في منتصف يناير مع اشارة مثيرة تقول (مفاجأة كبرى .. أهم حدث أدبي في العام الجديد).


مجدي الدقاق كشف المفاجأة في برنامج تليفزيوني وكان هذا كفيلا بتحرك محامي نجيب محفوظ ومحامي دار الشروق لوقف النشر وبالفعل منعت الطبعة التي كان من المفترض ان تصدر يوم 15 كانون الثاني في الموعد التقليدى لصدور روايات الهلال) .


   نسخ الرواية موجودة بالفعل في مطابع “الهلال” (كاملة لاول مرة لأنها نسخت من طبعة الاهرام الاولى وليس من طبعة دار الاداب التي حذفت منها بعض الفقرات .. كما كان من المفترض ان تصحبها لوحات الفنان الحسين فوزي المصاحبة للحلقات المسلسلة في الاهرام ).


رفض مجدي الدقاق الحصول على موافقة الازهر حسبما جاء في جريدة المستقبل لانه كما قال لـ”اخبار الادب” :” أرفض أن آخذ موافقة أي جهة. الإبداع لا يتطلب موافقات سياسية أودينية أوحزبية” (وهوموقف نتفق معه ونحترمه بعيداً عن الحق القانونى).


   والغريب انه انتشر في الاوساط الثقافية تفسير قوي بان هناك ضوءاً اخضر من الرئاسة لطبع الرواية وضمان سكوت الازهر ، وذلك لمواجهة الاخوان او احراجهم، اي اننا نعود مرة اخرى لمندوب الرئيس ومندوب الاخوان. سلطة فرض معروفة ناقصة، ومحاربة الخيال المتمرد على الخطوط الحمراء كلاهما ( السلطة السياسية والدينية ) اما ان يتفقان اويتصارعان او يقيمان اتفاقا على حرية المعرفة والابداع، وكلاهما يريدان في الحقيقة خلق شعب من قطيع لا يعرف ولا يفكر ،ببساطة لان الشعب الجاهل اسلس في القيادة مطيع ولا يخرج عن الطاعة.


   حكاية “اولاد حارتنا” هى حكايتنا مع السلطة، السلطة الدينية  والسياسية، مندوب الرئيس ومندوب الاخوان المسلمين. وبين مشايخ الازهر اتفقت سلطة جنرالات يوليو واتباع الشيخ حسن البنا على منع الرواية من 1959 وحتى الان مازالت “اولاد حارتنا” محرمة.


هي اشهر روايات نجيب محفوظ  ورمز معركة ثقافية وسياسية واجتماعية تتخذ كل فترة شكلا جديدا ومثيرا لقاذفات صورايخ التحريم والتكفير والقتل المعنوي وفي المقابل منصات الدفاع عن حرية الابداع والتعبير والتفكير في كل شيء بدون خطوط حمراء.


   الرواية اصبحت رمزا مجردا.. مثل التفاحة المحرمة في حكاية ادم وحواء.. ممنوعة ومصادرة بدون قراءة.. والمدهش انها ليست ممنوعة في الواقع.. بل هى موجودة على الارصفة وبسعر بسيط ( 20 او25 جنيها ).. لكنها مثل التفاحة يبدو الاقتراب منها خطر يهدد بالخروج من الجنة وبداية رحلة العذاب، فمن يقرأها ويريد ان يستمر كمؤمن بالحدود التى يضعها كهنة الدين والسياسة سيلعنها.


ومن يريد التمرد واعلان العصيان ضد كل سلطة ستكون “اولاد حارتنا” تفاحته التي اختطفها من الشجرة المعرفة ليبدأ رحلة معرفة خاصة بعيدا عن اوامر السلطة.


نجيب محفوظ كتب “اولاد حارتنا ” بعد 5 سنوات من التوقف. هي اول رواية يكتبها بعد ثورة يوليو. انتهى من كتابة الثلاثية في 1952 ولم يجد ما يكتبه بعد ان تحقق التغيير الذى كان يسعى اليه من خلال نقد المجتمع المصري في رواياته.


بعد اربع سنوات في كتابة الثلاثية.. وغروب نظام الملك وشروق امل جديد بوصول موديل الضباط الاحرار الى السلطة.. سأل نجيب محفوظ نفسه: ماجدوى الكتابة الان ؟!


   تزوج سنة 1954 وبحث عن مهنة تدر اموالاً اكثر.. سجل اسمه في قوائم كتاب السيناريو بنقابة السينمائيين.. وظن انه انتهى كروائي.


لكن في 1957 شعر نجيب محفوظ بدبيب غريب يسري في اوصاله (كان نظام الجنرالات في عز سطوة فكره المستبد العادل والديكتاتور المخلّص العارف بكل شيء.. وهو ما فجر اسئلة كثيرة في اوساط الثقافة والسياسة ).. وكما حكى محفوظ لرجاء النقاش: “…وجدت نفسي منجذبا مرة اخرى نحو الادب. وكانت فرحتي غامرة عندما امسكت بالقلم مرة اخرى، ولم اصدق نفسي عندما جلست امام الورق من جديد لاعاود الكتابة. وكانت كل الافكار المسيطرة علي في ذلك الوقت تميل ناحية الدين والتصوف والفلسفة. فجاءت فكرة رواية “اولاد حارتنا” لتحيي في داخلي الاديب الذي كنت ظننته قد مات .. ولذلك لاحظ النقاد تغييرا في اسلوبي واتجاهاتي الادبية وهم يقارنون رواية “اولاد حارتنا” بما سبقها من اعمال.. فهي لم تناقش مشكلة اجتماعية واضحة كما اعتدت في اعمالي قبلها.. بل هي اقرب الى النظرة الكونية الانسانية العامة.. ومع ذلك فرواية “اولاد حارتنا” لا تخلومن خلفية اجتماعية واضحة.. لكن المشكلات التي صاحبتها والتفسيرات التي اعطيت لها جعلت كثيرين لا يلتفتون الى هذه الخلفيات ..”.


   “اولاد حارتنا” كانت اول اسئلة نجيب محفوظ على انبياء الثورة.. محاولة لاستخدام تاريخ البشرية من الحكايات الكبيرة (عن الانبياء وغيرهم) في فهم مايحدث في مصر.. ابطال هذه الحكايات (بعيدا عن رسالتهم الدينية) هم من وجهة نظر مجردة سعاة الى الحق والخير والعدل كل بطريقته وحسب زمنه وتبعا لتكوينه الشخصي. حكاية كل بطل تكشف عن جانب من تاريخ الحارة التى يمكن ان تعتبرها الكون او مصر.. لكنهم مثل شخصيات في درس فلسفي يشرح كل منهم جانبا من جوانب مشكلة الانسان في الحياة.


   من جهة اخرى استغرب كتاب عرب حسبما جاء في صحيفة الرياض تراجع د.ابو الفتوح الذي زار محفوظ وايد نشر الرواية ثم عاد الى القول “بانه لا يتفق ولا يوافق على ما ورد فيها” كما استغرب اخرون موقف محفوظ الذي اشترط موافقة الازهر قبل نشر الرواية في مصر بعد مرور47عاما على منعها

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock