أفكار ومواقف

في الحبِّ أشياء أخرى!

 


 كان صباحا غائما. بدأ برسالة ضوئية منها ترجوني أنْ أكفَّ عن حبِّها، وأنسى، وإنْ لم أستطع، أتناسى طرق الوصول إليها من رقم المحمول، إلى البريد الإلكتروني..، وأهم من ذلك الطريق الوعِر إلى منزلها!


 حزنتُُ، لكنني لم أتفاجأ، والحقيقة أنها ليست المرّة الأولى التي تبعثُ بمثل تلك الرسالة. كنتُ أعرفُ السببَ وراءها هذه المرّة، لذلك لم أحاول الاستئناف. قبلتُ قرارها وشطبتُ كل وسائل الاتصال بها..؛ وسُرِرْتُ في سرّي، مُكابرا، لأنني ما عدتُ مضطرا للمخاطرة عند المرور بطريق منزلها الوعر!


ساعة. اثنتان صارت أنفاسي تسخنُ، أبالغُ في لفظها علَّ واحدة منها تكون الأخيرة. هكذا وصلتُ سريعا إلى الاقتناع بلا جدوى الحياة من دونها. أردتُ أن أستدركَ فأهاتفها، أو أرسل لها رسالة إلكترونية. تذكرتُ أنني أحرقت كل خرائط الوصول اليسير إليها، ولم يبق إلا أن أمضي في الطريق الوعِر إلى منزلها!


ذهبتُ ولم أجدها. قالت لي جارتها إنها رحلتْ إلى منزل بعيد؛ طريقه سالكة لكنه يحتاج سفرا طويلا. عدْتُ مهموما أتذكرُ سجالنا الأخير. احتدَّتْ أكثر مما كانت تفعل، وبدا ضجرها مني مؤلما لكرامتي. لكنني واصلتُ حبَّها ظنا مني أن ذلك سيجعلها تعود إلى قلبها.


 قالت: تعبتُ من الحبِّ. لماذا لا تكلمني إلا في الشعر، أو الأغنيات التي تحمل الشعر؟ لماذا تشرح الحب، وتسهبُ في تفسيره، وتجزئة علاقتنا إلى مراحل مثل عصور الشعر!


    كنتُ أريد أن أقول.. لكنها واصلتْ بلا اكتراث: تنتهز أية فرصة على الهاتف وتحدثني ساعات عما سنقوله في اليوم التالي في خمس دقائق!


اختنق صوتها: ضجرتُ اعتقني مثلما أعتقتَ نساءكَ لأجلي؛ تماما مثلما في الأغنية التي ملَلْتُها وملّ مُغنيها وأنتَ تُجْبِرْهُ على غِنائها لي آلافَ المراتِ في اليوم!


ما كان لديَّ شيء أقوله. ربما كانت محقة، وتحديدا في الأمس فلم أشعر بحاجتها إلى “ميناء سلام” كما قالت في كلامها عندما التقينا، واصلتُ تنظيرا كلاسيكيا في الحب اجتزأته من ديوانين التقطهما من رصيف في وسط البلد. ووجدتها تنفجر، وقالت ما قالته قبل أن تنجزه لي حكمة.


هدأ صوتها وسألتني سؤالا مباغتا: لو تركتَ التفكير في علاقتنا لساعة، بماذا ستفكر؟!


قلتُ بعد تفكير: .. ألا أفكِّر في علاقتنا. وسيأخذ تفكيري وقتا طويلا، فأقول ما كنتُ أخشى أن أقوله لكِ، وربَّما أبالغ في تجاوز الخطوط الحمراء التي تضعينها أثناء لقاءاتنا القليلة، فأتصوّرُ مشهدا نمثله، ينتصف عادة الأفلام العاطفية التي تتضمن الكثير من الحبِّ، وأشياء أخرى!


تجاوزتْ الغمز غير البريء الذي أنهيتُ به جملتي السابقة. وراحَتْ تكررها ضاغطة على مخارج الحروفِ، كأنما تسحب منها السم الذي دفعته في جملة من ثلاث كلمات..، حتى إذا ما تأكّدَتْ أنها صفّتها تماما من لؤمي اللفظي، راحت تنطقها باسترخاء بريء، وفتور آخر حكمة على لسان حكيم: في الحبِّ أشياءٌ أخرى!


وفي المساء رنّ هاتفي فصدحَ منبها: “إنني أسكن في الحب، فاقرأي أقدم أوراق الهوى تجديني دائما بين السطور”!


جاءني صوتها سمائيا، صافيا لا عتاب فيه؛ وقبل أن أسألها عن عنوانها الجديد، أردتُ أن أستفسر عبارَتها، علّها تشرحُها لي بأغنية أو مشهد تلفزيوني!!


 تفجّرَتْ ضحكتها اليائسة وهي تدعوني ألا أجتهد في التفكير، ولا أتوقع منها شرحا، لأنها مثل فيروز “ما بتحب الشرح كتير”!


[email protected]

تعليق واحد

  1. و أنتِ أيضاًً لا تحتاجين إلى شرح..!
    …. أما سمعت و هي تنتظر إجابتي على الهاتف الأغنية التي إخترتها خصيصاً لها عندما تهاتفني… أما سمعتني و صوتي قد أصبح صوت المغني و هو يقول " فراشة جئت ألقي كحل أجنحتي لديك..فإحترقت ظلماً جناحاتي"..!

    …ألم تكن تعي ما تسمع؟!

    ..واجهتها بسؤالي عنه..ذاك الذي يوماً طرق باب قلبها…و كان بابه موصداً بحضوري..!

    …ذاك الذي علمّها كيف تواري كذبتها..بأغنية..لترد عليّ بطريقتي التي أعشقها..!

    …ذاك الذي تورّط اليوم بحبها.. و نجوت أنا….بفعلتها!

    …"أخذتنا من الباب الموارب"!

    ..دمت بمحبة!

  2. رعد
    صوت سمائي؟ ما هذه المخيلة المحدودة يا استاذ نادر؟ ابذل شوية جهد واكيد يطلع معك صفة اجمل لأن السما احيانا تكون داكنة سوداء مدلهمة مرعدة..!؟

  3. في الحب اشياء اخرى
    ما اباح الورد سرا للفراشات كي تحبه صباحا ومساءا ,,,انما في الورد شيء يجذب الاشياء عمدا دون جهد او معاناة-
    ايها الورد الانيق
    استنطقت الاشياء في الحب
    ودائما المرأة في حياتك يقين ,دائما جوابا مستقراً ،ولم تحولها إلى سؤال ابدا!!!!

  4. كل حب وانت جميل
    "ستقول لها أشياء كثيرة، ولكن من دون أن تروّعها، فماتزال أطرافك تتهدج في كل مرة تلمحها.
    إن كنت ستهجرها، فستفعل ذلك بحب.. مثل كل الذين يجبرون على وداع أبنائهم عند الزواج.
    ستفعل ذلك بحب كبير.. مثلما تُسقِط الشجرةُ ورقتها الأخيرة.. وتنتحب.
    ستتركها بحب.. وبحب فقط.
    وستغني لها:
    "مر وقت كتير
    شو صار كتير
    ولا عرفنا ولا مرة..
    نحب بعض كتير"."

    عندما قرات ما كتبته اليوم عادت بي الذاكرة لاجمل ما قرات يوما …

    فلقد اوغلت ايها النادر في الابحار الى اماكن في القلب كنت افضل ان تبقى مجهولة…
    ففي القلب… وفي زاوية صغيرة معتمة احترفت فن الهروب والاختباء، ما زلت أركض حافية القلب إلا من الحنين، وأرى أمواج البحر تشبهني عندما تتكسر على الصخور وتذهب بعيدا ولكنها سرعان ما تعود..

  5. ليس الحب كل شئ ! اتفق مع السيدة !!!!
    نعم اتفق مع السيدة واخالف الكاتب ، ليس الحب كل شئ،ليس الكلام المعسول والشعر والآهات والاغاني العاطفية فقط هي وحدها مهمة في العلاقة بين الخطيبين او الزوجين ،هناك اسمى من ذلك ( التضحية والصدق والاخلاص) وا فائدة كلام الحب الذي يقوله الرجل وهو يخون زوجته …

    لنكن واقعيين بعض الشئ !!!

  6. .. يا أيها الولد المكرس للندى !
    أدهشتني بمقالتك يا صديقي.
    ود كثير

  7. نعم ففي الحب أشياء أخرى !!!!
    أتابع هذه الكتابتات كل يوم في الصباح أستمتع بقرائتهاكل يوم….أشكر الكاتب نادر على هذه الكتابات الجميلة…لفت نظري الموضوع فقرأته…أتمنى لك التوفيق و المزيد من الكتابات الجميلةوالمؤثرة …

  8. بتذكرني باشياء كتير هالمقالة
    بتذكرني بقصتي بس بدون اللقاءات يا ريت اللي بقصدة يتعلم من هالشي "وانا ما بحب الشرح كتير"

  9. في أعماقنا أشياء أخرى..!
    عندما يهبك القدر فسحة سماوية تسمو بها روحك
    فإنك لن تحتاج لكثير من الثرثرة وليس هناك شرح يطول..

    فهناك زاوية صغيرة في أعماقك لن يجيد فهمها سواك..

    تحية لإبداعك أستاذ نادر..

  10. يا حب!!!!
    كما قال محموددرويش " يا حب يا مرضي المريض كفى "
    فعلا بكفي والله تعبنا يا استاذ رنتيسي وشكله ما في حد بستاهل

  11. في الحب أشياء أخرى
    سأقول ما كنت اخشى ان اقوله لك و ربما ابالغ في تجاوز الخطوط الحمراء …ابدعت و اكثر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock