أفكار ومواقف

لم نتعلم من الديك إيثاره..!

 


كانت كتب قراءتنا في الابتدائية، وأظنها كتب المربّي العظيم المرحوم خليل السكاكيني، مليئة بالقصص المحمّلة بالحكمة. وكان لا بدّ لمن درسوا عليها من أبناء جيلي أن يحفظوا منها عبارات، بل وقطعاً كاملة أحياناً، بسبب روعة الاختيار وبساطة النص وامتلائه معاً. ومن بين تلك العبارات، جملة ينتهي بها أحد الدروس، تقول: “نتعلم من الديك، الإيثار واليقظة”. وقد دفعني الحنين وإلحاح العبارة إلى البحث عن الدرس نفسه باستخدام محركات البحث الألكترونية وقد غاب الكتاب، أو من باب الاستسهال، فكتبت هذه العبارة وبحثت، ولم تسعفني ذاكرة الحاسوب سوى بدرس آخر أوله: “ديكان كانا يتقاتلان في فناء الدار… إلخ”، ووجدت كثيرين مثلي ممن يحفظون درس الديكين المتقاتلين عن آخره، والذين أوردوا نصّه كاملاً على أكثر من موقع وهم يستذركون الطفولة، ونسينا كلنا الديك الآخر، صاحب الإيثار!


بغض النظر عن تفاصيل النص الذي أسقطته ذاكرة أبناء جيلي على الطريق، كثيراً ما تخطر لي العبارة المذكورة حين أتفقد فضيلة الإيثار، وفي نفسي أيضاً، فأجدها تنوس.. وأجد أنّى وليت وجهي صعود نجم الأثَرَة، نقيض الإيثار. وكلما واجهني خيار يستوجب الحسم في أمر الإيثار أو عدمه، وجدت شيئاً يهمس بي أن احذر الخلط بين الإيثار والغفلة –أجاركم الله منها. والصحيح أن لهذا الوسواس ما يسوّغه، فكثيراً ما يَحسَبُ ناسُ اليوم أنهم يستغفلونك حين تؤثرهم على نفسك بشيء عن وعي وبنفس راضية، ويصبح طباق قوله تعالى “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة” في عين هؤلاء “طيبة” زائدة، بالتعبير الملطف عن وصف أكثر دقة لا تطاوعني يدي على كتابته.


إذا عقّدنا الموضوع، فسنتحدث عن “النزعة الفردية” التي جرّتها الحرب العالمية الأولى أولاً، وجعلت الناجي من الموت، والفاقد كلَّ شيء، يُعنى ببقائه وحده قبل كل شيء وأحد. ثم سنذكر هزائمنا الفردية والجماعية، والتمدّن والعزلة واختلاط الناس وتفكك العائلة والكثير من ذلك. وهي كلها أسباب مفهومة وداعمة لذاتها. لكن هذه المسوغات تروّج للمعاني المغايرة: أعني الانتهازية، والاستئثار، والدوس على الآخرين على طريقة من يدوس على ابنه إن جاءه الطوفان، وإن لم يجئه.


أعود إلى عبارة كتاب القراءة التي قرَنت، بعبقرية، بين الإيثار واليقظة. نعم، ينبغي أن تؤثر الآخرين وأن تكون متيقظاً فلا يستغفلونك، وهي حسبة صعبة جداً، حتى على أذكى العقول في هذا الزمان. والبديل البسيط، هو قول ظل يكرره أمامي صاحب قديم (لم يطبقه حين لزم الأمر): “إنفع صاحبك بشيء لا يضرك”. لكن الذي يحدث هو أن المعظم أصبح يحب أن يكون هو “الديك”.. نقطة! يعني بلا إيثار ولا يقظة ولا من يحزنون. وبدل أن يمدّ الصاعد يده لينتشل أحداً معه، فإنه يؤثر أن يركل الآخرين وينزلهم من القطار فيستأثر بالحيّز كله. وقلّ الذين ينفعون أصحابهم بما لا يضرهم، ربما لأنه وقرَ في الأذهان، لكثرة الخيبات، أن نفع صاحبك سيضرك بكل تأكيد، وأن “كل شيء تزرعه تقلعه، إلا الإنسان تزرعه فيقلعك”، صحيح…؟!


لقد بدأت أضجر وأتعب من تقليب الأمر وأضجركم معي. لكنه هذا الحنين إلى عبارة درس القراءة عن الديك، ليس “الديك، و.. نقطة”، وإنما صاحب الإيثار واليقظة، هو الذي يلح عليّ كثيراً ويومياً، وربما على كثيرين غيري، عندما يرون في كل زاوية ديَكة تتقاتل. ويبدو لي كثيراً، ربما عن توهم حالم، أن هناك فضاء كبيراً كبيراً يتسع للجميع، وأن نفَس الآخرين وجلَبتهم في العرَبات أفضل من سفرك وحدك مع الفراغ والصمت.. وأن واحدنا لن يكون كبيراً ولا عظيماً إذا لم يكن هناك مَن يرى كِبَره وعظمته إن هو حلّق بعيداً وحده، ليصبح نقطة صغيرة لا تدركها عين ولا لها معنى.. ليت أيدينا تشتبك لننتشل بعضنا ونصعد معاً.. ليت أنّا تعلمنا من ذلك الديك إيثاره!

تعليق واحد

  1. الأثارة واليقظة والغفلة
    من تتلمذ على يدي المربي الخالدمؤلف كتاب راس روس ، دار دور لا بد وأن تعلم الكثير ، واثرى نفسه بالعطايا التي قدمها المرحوم خليل السكاكيني ..فأنا يا أخي من ذلك الجيل القديم..
    كانت رحمة والدتي تعلمني أن الديك من البيضه بصيح ..والديك يتديك أمام الدجاجات فقط ..واذا حارب ديكا أخرا فالموت حتما لأحدهما..
    الأثارة واليقظة والغفلة اصبحت في عصر الفضائيات والمعلوماتية والتنكنولوجيا امورا اجتماعية وللأسف أمور فردية ..الأثارة أن أجد طفلا يفتش على لقمة عيشه من صفائح الزبالة ..والأثارة أن ارى بيوتا كثيرة ترمي بقايا طعامها في الزبالة ..الأثارة نراها بالعين والقلب معا حينها تكون اثارة سارة أو اثاره ضارة..اليقطة نسبيا تتفاوت بين الناس .ولكن ما دام رب العالميبن خلق لنا عقلا ، وأرادنا سبحانه وتعالى أن نستعمله دوما في حياتنا فاذن اليقظة تصبح تحصيل حاصل …أما الغفلة فهي احيانا كثيرة تلفح بالأنسان على حين غفلة.وليس في مقدوره ان يتلاشاها.لذا نسترحم الله دوما ونقول نجنا يا رب من ساعة الغفلة..وما أكثر الناس الذين يستخدمونها ليبنون ثرواتهم وامجادهم على تعاسة الأخرين

  2. الايثار في الديك شجاعة
    انا ريفي مثل د.ابو عقروق وعشنا طفوله حلوه مع الديكه الجميله في فناء البيت الريفي الواسع وتسميه النساء " عريس الجاجات" وتبحث عنه لدى الفلاحات الاخريات تطلب عريسا لدجاجاتهاوكانت النساء تمنحن القابا
    جميله للديك : الاطوز والاشعل واللي شايف حاله" بطلعته البهيه الشامخه "
    ويتحفتل " بشموخ ويقظه مزهوا بريشه الجميل وشكله المثير للاعجاب

    الديك يؤثر رعاياه من دجاج"أم طبي" يوفر الرعايه التي في مقدوره عملها واحيانا كانت الكلاب تفزع له عندما تقتحم حظيرة مأوى الجاجات

    هذا الهام وسر الهي عظيم يرينا الله سبحانه وتعالى ان الشجاع دائما كريم ورجل ايثار وله طله مقنعه وثقه عاليه بالنفس كما ان له صفات القائد انزيه وهي هبة الله لبعض خلقه" قل انما هي امم امثالكم"

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock