صحة وأسرة

ماذا تعرف عن الأدوية اليتيمة والاستراتيجية؟

عمان– الأدوية اليتيمة مصطلح قد يبدو غريبا بعض الشيء، الا أنه في مجال الأدوية وتوفيرها للمرضى يعد أمرا بالغ الأهمية. ويمكن تعريف الأدوية اليتيمة على أنها مجموعة الأدوية التي لا يتبنى إنتاجها أو توزيعها أي من الشركات الدوائية لأن إنتاجها وتوزيعها يكون بالنسبة للشركات الدوائية أمرا بالغ الخطورة من الناحية الاقتصادية؛ حيث تشكل المجازفة عاملا مهما ومن النادر أن تحقق أي من الشركات المنتجهة لها أي عائد مادي.
الأدوية “اليتيمة” هي التي يكون الطلب عليها محدودا جدا، لذلك فإن من غير المحتمل أن تعمد إلى تصنيعها الشركات التي تتوخى تحقيق أرباح من ذلك.
عرّفت إدارة الغذاء والدواء في الولايات المتحدة الدواء اليتيم بأنه الدواء الذي يتوقع أن يعالج عددا من المرضى أقل من 200000 مريض.
موضوع إنتاج الدواء أو توزيعه بالنسبة للشركات الصيدلانية يعد مسألة ربح مادي فقط، وتنظر الشركات الى الدواء بأنه سلعة تقدم للمشتري مقابل ثمن ويجب أن يكون الربح مضمونا حتى يتم تسويق الدواء.
وفي الولايات المتحدة، قامت الجهات الرسمية بإصدار قانون الدواء اليتيم والذي صدر في العام 1983 وينص على تقديم حوافز ضريبية وإعفاءات، بالإضافة الى التمويل لمعالجة أمراض نادرة يقل عدد المرضى المستهلكين للدواء حيث لا يغطي عائد بيع الدواء تكاليف إنتاجه.
لذا تعمد الجهات الرسمية الى وضع الحوافز أمام الشركات الدوائية لتمويل إنتاج بعض الأدوية التي قد لا تلقى رواجا بين المرضى ويشكل إنتاجها عبئا ماليا على الشركات المصنعة للدواء.
استفاد من مشروع قانون الدواء اليتيم عدد من الشركات العاملة في مجال التقنية الحيوية، وتم إنتاج دواء إيبوتِن ألفا (إيبوجِن Epogen) من قبل الشركة المنتجة له “امجن”، وهو دواء يستعمل لمعالجة فقر الدم الذي يرافق المرحلة الأخيرة من حالات القصور الكلوي. لم يكن عدد المصابين بهذا المرض كبيرا في حينه؛ إذ لم يكن يتعدى 78 ألف مريض.
لذا بدا من غير المحتمل أن تتمكن الشركة من تحقيق أي أرباح من هذا الدواء، أو حتى من تغطية نفقات تطويره. وقد عمدت، مع ذلك، إلى طلب موافقة تلك الإدارة على تصنيعه وذلك للحوافز الجيدة التي كان يؤمِّنها لها قانون “الدواء اليتيم”. يتضمن هذا القانون الذي أصبح نافذا منذ العام 1983 مجموعة من القرارات والإجراءات، ويحقق للمستفيدين منه مجموعة من المكاسب التي ترمي إلى تشجيع الصناعة الخاصة على تطوير الأدوية اللازمة لمعالجة أمراض نادرة؛ ذلك أن هذه المعالجة كانت ستبقى يتيمة لا تجد مَنْ يرعاها في ظل المراقبة والتدقيق اللذين تفرضهما إدارة الغذاء والدواء.
في البداية لم يكن الدواء ذا فائدة تجارية ولكنه بمرور الزمن بدأت شركة “أمجِن” بتحقيق أرباح طائلة من تسويق هذا الدواء. وأصبح “الإيبوجن” و”البروكْريت” (وهو أحد أشكال إيبوتِن ألفا) يحتلان في العام 2001 المرتبتين السادسة والسابعة على التوالي في قائمة أكثر الأدوية مبيعا في أميركا؛ حيث بلغت مبيعاتهما نحو 5 بلايين دولار.
ومع هذا النجاح في تسويق الدواء، لم تتم إعادة النظر في القانون لأن الشركة دخلت في مجال مجهول والهدف الأسمى كان تشجيع الشركات الدوائية على الدخول في مجالات جديدة وآفاق أوسع من التركيبات الصيدلانية التي تكون مجازفة في البداية وقد يكتب لها النجاح.
الهدف من قانون الأدوية اليتيمة هو تشجيع الشركات على إنتاج الأدوية الجديدة من خلال الإعفاءات الضريبية وإعطائها التمويل المناسب بغض النظر عما يتحقق من أرباح في المستقبل.
أدوية استراتيجية
في الأردن مثلا؛ الشركات الدوائية تتسابق في إنتاج الأدوية التجارية التي توفر لها الربح الوفير ولا تفكر في إنتاج الأدوية المتخصصة التي لا تحقق لها الربح ولا تستطيع أن تدخل في المجازفة بإنتاج الأدوية التي لا تدر لها لبنا أو عسلا.
في الستينيات، كان الأردن ينتج محاليل وريدية مثل الديكستروز الرينغرRinger Lactate Normal Saline Dextrose، ولكن عندما بدأ الموردون باستيرادها من الإمارات ومصر والسعودية والصين والهند لم تستطع الشركات المحلية توفيرها بأسعار منافسة، فكان أن توقف إنتاجها من المصانع المحلية وبدأ الاعتماد على المستورد.
من ناحية استراتيجية، في حال انقطاع أو تأخر الموردين في تلبية الطلبات المستعجلة تبقى البلاد تحت رحمة الموردين الذين سيتحكمون في الأسعار، وقد يؤثر ذلك على الأمن القومي في يوم من الأيام لأن الشركات الدوائية هدفها الربح والأمر بالنسبة للدواء هو مسألة ربح مادي فقط.
في الفترة الماضية، انقطع دواء مميع للدم “وارفرين” وحبوب النترات التي تؤخذ تحت اللسان والسعر الذي يباع في السوق قليل، ما أدى الى إعادة النظر في تسعيره مرات عدة، وهذا بدوره أدى الى انقطاعه عن السوق لتحكم المستودعات التي توزع الدواء حصريا وأدى الى إرباك الجهات الصحية وإعادة النظر في أمر الوكيل الحصري للدواء والسماح لعدد من المستوردين باستيراد الدواء، ولكن لم يقم أحد باستيراده للسوق المحلي وبقي الأمر محصورا بالوكيل الذي طلب إعادة التسعير.
لذا من الضروري اعتماد مجموعة من الأدوية باعتبارها أدوية استراتيجية وضرورة وجودها في الصيدليات والمستشفيات والمستودعات بغض النظر عن هامش الربح بحيث تعامل معاملة الأدوية اليتيمة التي سنتها الولايات المتحدة بهدف توفير الدواء للمرضى في جميع الأوقات وأن لا ينظر للأمر من ناحية مادية فقط.
انقطاع المحاليل الوريدية
في الفترة الماضية عندما قامت ثورة الربيع التي حملت الويل لمصر، كانت الشركة المصرية هي المورد لغالبية المحاليل الوريدية للشراء الموحد الذي يوفر الدواء لوزارة الصحة والجامعة وغيرها.
لم يستطع الوكيل توفير المطلوب منه من المحاليل الوريدية التي هي عماد المستشفيات وأهم ما يمكن تقديمه للمرضى.
لجأت وزارة الصحة الى شرائه من السوق المحلي بأسعار أعلى من قيمة العطاء، وكما أن الموجود في السوق المحلي لم يكن يكفي لأكثر من أسبوع، مما أدى الى حدوث إرباك في المستشفيات.
الهدف من موضوع الأدوية اليتيمة والأدوية الاستراتيجية هو ضرورة توفيرها في القطاع الصحي بغض النظر عن الربح المادي والذي لا يتأتى من خلال رفع سعر الدواء للمريض بل من خلال عوامل عدة محفزة للمستثمرين والمنتجين من خلال إعفاءات ضريبية وتسهيلات مادية.

الصيدلي إبراهيم علي أبورمان
وزارة الصحة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock