ترجمات

ما الذي يرغب -ولا يرغب- بايدن في فعله للفلسطينيين؟

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

جيمس تروب* – (فورين بوليسي) 14/5/2021

الرئيس الأميركي الجديد يريد المساعدة، لكنه قد لا يكون مستعدًا لدفع الثمن.
* * *
في الأشهر القليلة الأولى من وجودها في المنصب، بدأت إدارة بايدن في طرح سياسة جديدة ببطء تجاه إسرائيل وفلسطين. وكانت الوتيرة المحسوبة كاشفة في حد ذاتها، لأن الإدارة كانت مركِّزة بلا هوادة على ما هو أكثر إلحاحًا -التعامل مع الوباء والأزمة الاقتصادية المحلية المصاحبة له. وهنا، كما هو الحال في أي مكان آخر، أعطى تخلي الرئيس السابق دونالد ترامب الجذِل عن السياسة الأميركية القائمة منذ وقت طويل لموظفي الرئيس جو بايدن هيكلاً مفككاً من المسؤولين عن شؤون الشرق الأوسط، والذي يحتاج إلى الكثير من الترميم وإعادة التنظيم. وفي مذكرة سياسية وُضعت في شباط (فبراير) بعنوان: “إعادة تشغيل العلاقات الأميركية-الفلسطينية والطريق إلى الأمام”، اقترح المسؤولون إعادة ربط “النسيج الضام” الذي تم تدميره في السنوات الأخيرة، ومعاودة تأكيد حل الدولتين واستعادة التمويل للفلسطينيين.
واعتقد المسؤولون أن لديهم متسعا من الوقت. لكنهم كانوا مخطئين: فقد تفجر العنف مرة أخرى في المنطقة، بطرق مألوفة بشكل مقزز وجديدة بشكل مخيف على حد سواء. وهذه المرة، كان المستوطنون اليهود والحكومة الإسرائيلية هم الذين أقلقوا أولاً الوضع الراهن الهش للغاية، من خلال التهديد بطرد الفلسطينيين من حي متنازع عليه في القدس الشرقية المحتلة، ومهاجمة الفلسطينيين المتجمعين عند باب العامود في القدس ثم في المسجد الأقصى بعد صلاة الجمعة. ورد الفلسطينيون باستفزازات من جانبهم، ثم بدأت “حماس” في إطلاق الصواريخ على إسرائيل بهدف ترويع المدنيين. وردت إسرائيل بضربات جوية، والآن بحشد قوات برية. وهكذا اندلعت الحرب بالشكل الغريب وشبه الشعائري الذي تتخذه في المنطقة، لأول مرة منذ العام 2014.
وردت إدارة بايدن، التي أخذتها الأحداث على حين غرة، بطريقة مكرورة أبلاها الزمن، فطمأنت إسرائيل علنًا إلى استمرار الدعم الثابت في حين قالت إنها “قلقة للغاية” من عمليات الإخلاء وهدم المنازل المستمرة في القدس الشرقية. وعلى الرغم من أن المسؤولين الأميركيين يعملون الآن مع مصر والأردن ودول الخليج لإنهاء العنف، إلا أن المستوى المتواضع من الانخراط أوصل رسالة ضمنية: ألا ترونَ أننا نعمل على البنية التحتية؟
ثمة نمط ناشئ هنا. وكما كتبت مؤخرًا عن سياسة الإدارة بشأن اللاجئين في الولايات المتحدة، فإن لدى هذه الإدارة سياسة مدروسة ومستنيرة بشأن كل شيء تقريبًا، ولكنها ليست على وشك السماح لهذه الأشياء بأن تقف في طريق الأعمال الرئيسية التي تنشغل بها. وتماماً مثلما كان رد فعل الإدارة المبدئي المذعور على أزمة غير متوقعة على الحدود انتهاكاً لمبادئها الخاصة برفضها قبول اللاجئين، فإن رد فعلها الانعكاسي في مواجهة اندلاع مفاجئ للأعمال العدائية في الشرق الأوسط كان أن تنحي جانبًا التزامها بتحقيق نتائج أكثر عدالة للفلسطينيين. كما أنه ليس من قبيل المصادفة أن تكون الإدارة قد اختارت في كلتا الحالتين عدم مواجهة الرياح السياسية المعاكسة. في حالة اللاجئين، رأت الإدارة خطأها وعكست مسارها. وما نزال في الأيام الأولى المبكرة من الحرب/ الانتفاضة/ التمرد الأخير في غزة.
يُفترض أن تنتهي الحرب مع غزة، كما فعلت في الماضي، وسيكون كلا الجانبين قد تسبب بالكثير من المعاناة للطرف الآخر -على الرغم من أن إسرائيل ستكون قد تسببت في ضرر هائل أكبر بكثير- بحيث يمكن لكليهما إعلان النصر وتسمية ما حدث يومًا من أيامهما. لكن هذا قد لا يغير الصراع الذي نشب داخل إسرائيل، والذي يضع اليهود لأول مرة في مواجهة المواطنين العرب. ومقترناً بالتوترات المتصاعدة في القدس الشرقية، يمكن أن يؤدي العنف الشخصي المندلع في المدن الإسرائيلية نفسها إلى تطرف كلا الجانبين وتعميق الاستقطاب. فبعد كل شيء، بدأت موجة العنف الحالية بحشود من اليهود اليمينيين وهم يسيرون عبر القدس الشرقية ويرددون هتاف “الموت للعرب!”.
ليس من المستبعد على الإطلاق تخيل قيام دولة إسرائيلية ذات نزعة قومية متصاعدة بإضفاء الطابع الرسمي على مكانة العرب كمواطنين من الدرجة الثانية، بالطريقة التي فعل بها ذلك رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، مع المسلمين الهنود. وعلى الرغم من الأوصاف والانتقادات القاسية التي توجهت إلى منظمة “هيومن رايتس ووتش” لاتهامها إسرائيل في تقرير حديث بارتكاب جريمة الفصل العنصري في الأراضي المحتلة، إلا أن الغالبية العظمى من الباحثين الأميركيين في شؤون الشرق الأوسط وصفوا في استطلاع حديث أُجري في شباط (فبراير) الوضع الحالي في الضفة الغربية وغزة بأنه “واقع دولة واحدة قريبة الشبه بنظام فصل عنصري”. هذا هو الوضع الراهن. فمع أن العرب الذين يعيشون في إسرائيل يتمتعون بحياة أفضل بكثير مما لدى مواطنيهم في المناطق الفلسطينية، فإن صبرهم ربما يكون قد نفذ بسبب وضعهم كمواطنين من الدرجة الثانية.
وهكذا، فإن السؤال عما يمكن أن يفعله الخارجيون بمجرد انتهاء العنف أصبح يتمتع بإلحاح جديد. هنا أيضًا، كانت الطقوسية هي التي سادت في الماضي: الدبلوماسيون الأميركيون يدعون إلى إنهاء الأعمال العدائية حتى يمكن استئناف ما تسمى بعملية السلام، ثم يأتي اجتماع غير مجدٍ في أعقاب آخر. وقد أمضت إسرائيل عقودًا في إنتاج “حقائق على الأرض” -على شكل مستوطنات وجدران وبنية تحتية حاسمة- والتي تجعل من تطبيق حل قائم على أساس الدولتين مستحيلًا، لوجستيًا وسياسيًا. وعلى أي حال، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ولا رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، مستعدَّين لتقديم التنازلات المؤلمة للغاية المطلوبة لتحقيق حل الدولتين. ومع ذلك، كما أشار المحلل الإقليمي، ناثان ثرال، في مقال مهم للغاية في العام 2014، فإن “توفير فرصة لائقة للنجاح لم يكن أبداً متطلباً مُسبقاً” لعملية السلام. وكان “التفاوض”، كما كتب ثرال “يعرض مكافآته الخاصة، بصرف النظر تمامًا عن أغراضه المزعومة”. وتتمثل إحدى هذه المكافآت في تقليل الضغط الذي يطالب بإجراء إصلاحات فعلية لتحسين حياة الفلسطينيين.
وصلت مهزلة ما تُدعى عملية السلام إلى نهاية مع قدوم ترامب، الذي وعد بحل ما هو غير قابل للحل، فقط لينتهي به المطاف إلى إصدار صيغة تقضي فعليًا على إمكانية قيام دولة فلسطينية، أو حتى الإبقاء على دور تفاوضي للفلسطينيين. كان ترامب أول رئيس أميركي يطرح حل الدولتين. وقد أخبرني مستشار في حملة بايدن الصيف الماضي بأن بايدن، أيضًا، قد يقبل بما هو حتمي، على الرغم من أنه سيفعل ذلك من أجل التركيز على تحسين حصة الفلسطينيين بدلاً من تهميشهم. وفي الواقع، تبنى بايدن علنًا حلاً قائماً على أساس الدولتين، وكذلك فعلت مذكرة سياسة لوزارة الخارجية؛ وهو الذي كان داعمًا متحمسًا لإسرائيل لعقود. لكن بايدن شاهد وزيري الخارجية، هيلاري كلينتون وجون كيري، وهما يفشلان في تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وليست لديه أي شهية للاستشهاد هو الآخر. والفكرة التي تدور في البيت الأبيض هي: “نحن لسنا ذاهبين من أجل جلب جائزة نوبل للسلام هنا”.
سوف يكون إلزام نفسك علنًا بحل قائم على أساس الدولتين بينما تكرس جهودك الفعلية لتحسين حالة الفلسطينيين استراتيجية يمكن الدفاع عنها تمامًا. ولكن كيف؟ لقد تعهدت الإدارة مُسبقاً بتقديم 235 مليون دولار للفلسطينيين من خلال “وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين” (الأونروا) والمنح المباشرة. ويأمل بايدن في استعادة البعثة الفلسطينية في واشنطن والقنصلية الأميركية العامة في القدس، وكلتاهما ألغيت في عهد ترامب -لكن الأولى تتطلب موافقة الكونغرس، وتتطلب الثانية موافقة إسرائيلية. كما اقترحت مذكرة وزارة الخارجية على ما يبدو فتح قنصلية أميركية في المناطق الفلسطينية.
وهذه تدابير مهمة جديرة بالاهتمام، لكنها تظل متواضعة أيضاً. وثمة نهج أكثر موضوعية، اقترحه بريان كاتوليس، خبير الشرق الأوسط في “مركز التقدم الأميركي”، هو التركيز على التنمية الاقتصادية، والضغط على إسرائيل لتوفير المزيد من المياه والكهرباء بطريقة موثوقة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتقديم تصاريح بناء في مستوطنات الضفة الغربية يكون من شأنها تمكين نمو الأعمال التجارية الجديدة. ويشير كاتوليس أيضًا إلى أن الدول العربية التي وقعت على “اتفاقيات إبراهيم” وتعهدت بـ”التعاون والحوار” مع إسرائيل -الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان- “وقفت إلى حد كبير على الهامش” أثناء الصراع، ولكنها تستطيع، بتوجيه أميركي حذِر، أن تصبح مصادر رئيسية للدعم الاقتصادي والتقني للفلسطينيين.
لكنّ هذا كله لن يعالج مشكلة “الفصل العنصري”. وسوف تضع أي محاولة للقيام بذلك إدارة بايدن في مسار تصادمي -ليس مع إسرائيل فقط وإنما مع الكونغرس الأميركي نفسه أيضاً، حيث يتمتع نتنياهو بدعم أوسع من الذي يحظى به في إسرائيل. وعلى سبيل المثال، يجادل دانيال ليفي، رئيس مشروع الشرق الأوسط (ومؤلف مقال حديث حول هذه القضية في مجلة “فورين بوليسي”) بأن الفلسطينيين لن تكون لديهم حكومة شرعية قادرة على تعزيز مصالحهم ما لم يتم إقناع محمود عباس بالعمل مع “حماس”، خصمه ومنافسه اللدود على ولاء شعبه. (في وقت سابق من هذا الشهر ألغى عباس الانتخابات التي كان مخططا لإجرائها منذ فترة طويلة، خوفاً من أن يخسر). وليفي محق تماماً في مسألة الحاجة إلى جلب “حماس” إلى داخل الخيمة الحاكمة. وحتى لو وافق بايدن -وهو ما قد لا يفعله- فإن مباركة مثل هذا الاتحاد بين الفصيلين ستنتهك قاعدة “عدم الرغبة في الاستشهاد” المذكورة. قد يكون بايدن قادراً على العيش من دون نتنياهو، لكنه لا يستطيع العيش من دون تشاك شومر (زعيم الأغلبية في الكونغرس).
أين هو، إذن، ذلك الخط الفاصل بين “صعب جدًا” و”لا تزعج نفسك بالمحاولة؟” مهما كان ما يقرر بايدن فعله، فسيتعين عليه العمل من خلال الدول الإبراهيمية، إضافة إلى مصر والأردن -وربما قطر- ولكل من هذه الدول درجات مختلفة من النفوذ مع كل من إسرائيل والفلسطينيين. ويجب أن يكون من بين أهدافه إنهاء الحصار الساحق المضروب على غزة، وتحرير الحركة والتنقل داخل الضفة الغربية، وإنهاء عمليات الإخلاء والهدم الإسرائيلية، وتعزيز الحكم الذاتي الفلسطيني، ومعالجة مظالم عرب إسرائيل، وقمع عنف الجماعات الإسرائيلية اليمينية التي ينتمي بعضها إلى ائتلاف نتنياهو الحاكم.
كان تحقيق أي من هذا الأهداف ليكون صعباً للغاية، حتى خلال اللحظة الأكثر استقرارًا في فترة ولاية ترامب؛ والآن، في أعقاب هجمات “حماس” على المدن الإسرائيلية، وفي خضم صراع سياسي لا نهاية له داخل إسرائيل نفسها، يبدو الأمر شبه مستحيل. وسيكون هناك إغراء عارم بقول: “ليس هذا ما كان في بالناً بخصوص ‘سياسية خارجية من أجل طبقة وسطى’”. ولكن، كما تعلَّم الرئيس السابق باراك أوباما مع الكثير من الكرب، فإن الابتعاد عن الشرق الأوسط ليس خياراً. ربما لم يعد التوتر بين القومية اليهودية المتصاعدة والسكان العرب الذين يزدادون ضيقاً وقلقاً وثوراناً، داخل البلد وفي المناطق المحتلة على حد سواء، قابلاً للإدامة. كان بايدن عاكفاً على بناء وتجميع رأس ماله السياسي بعناية؛ وقد يضطر إلى إنفاق البعض منه في أماكن هي الأبعد عما يريد إنفاقه فيه.
*James Traub: زميل غير مقيم في “مركز التعاون الدولي” بجامعة نيويورك وكاتب عمود في “فورين بوليسي”، ومؤلف كتاب “ماذا كانت الليبرالية؟ الماضي، والحاضر، والوعد بفكرة نبيلة”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: What Biden Is—and Isn’t—Willing to Do for Palestinians

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock