أفكار ومواقف

متى يتم الإفراج عن الحركة التعاونية؟

 


لا نجافي الحقيقة إذا ما قلنا ان الحركة التعاونية شكلت علامة فارقة في تاريخ الفكر الاقتصادي.


مع ولادة الثورة الصناعية في أوروبا في مطلع القرن التاسع عشر كان واضحاً ان البؤس الاجتماعي سوف يشكل التحدي الأول للرأسمالية الصناعية التي ما لبثت ان أطلت تداعياتها بقسوة مخلفة بيئة خصبة لكافة بواعث التغيير.


ثم برز الفكر التعاوني متخذاً نهج الإصلاح سابقاً للفكر الماركسي الذي سعى للتغيير الجذري للاقتصاد الحر وإدارة الاقتصاد مركزياً من قبل الحكومة.


ومنذ ذلك التاريخ شهد الفكر التعاوني تطبيقات مختلفة مبديا مرونة كبيرة لمسايرة خصوصيات اقتصادية واجتماعية وحضارية متنوعة. وشقت الحركة التعاونية طريقها بثبات ونجاح في ظلال كلا المدرستين الرأسمالية والاشتراكية، وقيض لها أيضاً ان تدرك نجاحات بلغت ذروتها بتبلور التعاون كجزء ثابت ومؤثر في الهوية الاقتصادية لبلدان الاقتصاد الحر المتقدمة (الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية)، وبلدان النظام الاشتراكي الذي انقضى، والبلدان النامية (الهند والبرازيل والأرجنتين وكينيا).


نجاح مهّده للحركة التعاونية ما استقرت عليه قناعة الاقتصاديْن الحر والموجه في مسؤوليتهما المشتركة والتكاملية في إدارة الاقتصاد. كما هيأ لنجاحها وبالقدرنفسه الإخفاق العملي للتجارب الاقتصادية في الدول المختلفة في الوصول الى صيغة المزيج الأمثل من الدورين الحكومي والخاص، ما حال دون رسم حدود صارمة بين الدورين وسمح بوجود فراغات نفذت منها الحركة التعاونية التي أخذت من كلا الدورين لتصنع منهما مزيجا لدورها الخاص بها.


تنتشر الحركة التعاونية اليوم بتعاونياتها المختلفة الزراعية والإنتاجية والتسويقية والاستهلاكية والحرفية والإسكانية فيما يزيد عن مائة بلد. وتشهد نجاحات ملفتة في أكثر من ستين بلداً من مختلف النماذج والمستويات الاقتصادية. إلا انه ولشديد الأسف لم يكن الأردن واحداً من بين البلدان الناجحة في هذا الميدان رغم البداية المبكرة نسبياً لحركته التعاونية في العام 1952.


فما لبثت ان بنت هذه الحركة قاعدتها التنظيمية بهوية أهلية وبدأت بالانطلاق حتى نقلت الى الوصــاية الحكومية تحت إشــراف المنظمـة التعاونية الأردنية التي أسستها الحكومة عام 1968 بعد سنة من الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية. لتبدأ معاناتها مع إدارة غير أهلية ولا ديمقراطية بدأت ذروتها عام 1986 بالإدارات غير الحكيمة وغير الرشيدة للمنظمة التعاونية. فجاء مطلع التسعينيات مؤذناً بتضاؤل الآمال بأي دور ايجابي للحكومة في تدعيم وترشيد مسيرة العمل التعاوني.


لم تسعف تحركات الحكومة منذ عام 1991 لتصحيح دورها تجاه الحركة التعاونية في انتشال الحركة من سباتها، رغم تعديل قانون التعاون، وتقليص دور الحكومة الوصائي، وإعادة هيكلة المؤسسة التعاونية وارثة المنظمة التعاونية ومسؤولياتها كممثل لدور الحكومة تجاه هذه الحركة. حيث تجمد الموقف الرسمي أمام مديونية المنظمة وقروض البنك التعاوني غير المحصلة من المزارعين، وما يزال على حاله حتى الآن.


ليس مثل الجمعيات التعاونية أداة تحتاجها الحياة الاقتصادية في الأردن، تجمع المنتجين فتزيد من قدرتهم التنافسية، وتحصنهم أمام قوى الاحتكار بتعزيز مراكزهم السوقية مشترين او بائعين. والشيء نفسه بالنسبة للمستهلكين وطالبي الخدمات، كل ذلك في إطار الملكية التعاونية التي هي ملكية خاصة لا يصل بها إخضاعها لمتطلبات العمل التعاوني الى مستوى الملكية ذات الطابع الاجتماعي (الاشتراكية او الحكومية او العامة).


الأردن، باقتصاده النامي وسوقه الصغير وما يترتب عليهما من تعقيدات أمام تحقيق التوازن في السوق ونجاح الدور التنظيمي للحكومة المكمل لحرية السوق والمعول عليه الاهتمام بالأهداف الاجتماعية، بحاجة ملحة للحركة التعاونية. فالتعاون دور للقطاع الخاص يؤديه على صورة مشروعات تعاونية، فيساعد الحكومة في دورها التنظيمي ويساند القطاع الخاص الذي تنقصه القوة التنافسية مشكلاً عاملاً واقياً له من التشوهات الاحتكارية.

تعليق واحد

  1. اضاءه مهمة
    مقالة في غاية الأهمية في تسليطها الضوء على نشاط اقتصادي مهم نحتاجه لتعديل التشوه الكبير في اقتصادنا.. و على الحكومة الالتفات لهذا النشاط و تشريع ما يلزم لتنظيمه حتى لا يساء استخدامه

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock