أفكار ومواقف

مستقبل الاتحاد الاوروبي

       بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية وما حملتاه من كوارث ومآسٍ وخسائر فادحة في الارواح والمعدات ،وجدت اوروبا نفسها ،وقد كانت المسرح الرئيسي لاحداث أعتى حربين عالميتين عرفهما التاريخ السياسي الحديث ،وجدت نفسها متهالكة ومثخنة الجراح ومثقلة بالاعباء والخسائر.اذ خرجت المانيا من الحرب وقد تجرعت الهزيمة، وبريطانيا المنتصرة كانت على شفير الافلاس وعلى وشك ان تفقد امبراطوريتها في حين وصلت فرنسا الى حد المجاعة.ولهذا فما ان وضعت الحرب اوزارها حتى اخذ عقلاء اوروبا وحكماؤها من ذوي الرأي والمشورة يفكرون في اسباب اندلاع الحرب وسبل اجتثاثها والحيلولة دون وقوعها الى ان اهتدى الاباء المؤسسون لما يعرف حاليا بالاتحاد الاوروبي (جون مونييه وروبرت شومان)الى ان جذور الحرب التي عانت منها اوروبا طويلا تكمن في التنافس الشديد الذي كان قائما بين النظم القومية الاوروبية،كما وجدوا ان تحقيق الوحدة بين الاقطار الاوروبية هو السبيل الوحيد نحو السلام المنشود والضمانة الاكيدة لعدم تكرار حدوث الحرب.


      وابتداء من عام 1951، وفي ظل هذا الفكر الوحدوي،ابتدأت مسيرة التكامل الاوروبي بتوقيع ست دول اوروبية(بلجيكا،هولندا،لكسمبورغ،اضافة الى المانيا وفرنسا وايطاليا) اتفاقية باريس للصلب والفحم ثم توقيع اتفاقية السوق المشتركة عام 1957.ثم توالت النجاحات الاوروبية على هذا الصعيد وصولا الى اتفاقية ماستريخت عام 1992 التي وضعت حجر الاساس لبناء سياسة خارجية موحدة للاتحاد الاوروبي.وفي الاول من يناير 2002 تخلت اثنتا عشرة دولة اوروبية عن عملاتها الوطنية وتبنت بدلا منها اليورو،ثم توسع الاتحاد الاوروبي بضم عشر دول اخرى كانت تنتمي معظمها الى الكتلة السوفياتية.واخيرا في حزيران 2004 وافقت جميع الدول الاوربية الاعضاء في الاتحاد على اول دستور مكتوب للاتحاد.وبامعان النظر في هذه التطورات نلاحظ ان الاتحاد بدأ يكتسب وبصورة تدريجية الكثير من خصائص وصفات الدولة الموحدة من قبيل وجود عملة موحدة وبنك مركزي ومحكمة عدل عليا وعلم ونشيد اوروبي وبرلمان ودستور الامر يجعله نموذجا للتنظيم الاقليمي الدولي الناجح وتجربة تستحق الدراسة واستخلاص العبر.


      غير ان ما سبق لا يعني خلو طريق الوحدة الاوروبية من اي مشاكل تعترضها،فهناك العديد من التحديات التي باتت تواجه المسؤولين الاوروبيين في بروكسل والمتوقع لها ان تحدد مسار ومستقبل هذا المشروع الكبير برمته علما ان كثيرا من هذه التحديات نابع اصلا من النجاحات التي تحققت للاتحاد على مدار السنوات الخمسين الماضية والتي من ابرزها:-


•توسع الاتحاد الاوروبي والذي يعني بالضرورة تنوعا وتشعبا في المصالح والتوجهات والمواقف والتي قد تصل الى حد التعارض بحيث قد يصبح من الصعب احتواؤها والتوفيق فيما بينها داخل الاطر القانونية والمؤسسية للاتحاد الاوروبي.


•مسألة التصديق على الدستور الاوروبي واقراره:اذ انه حتى يدخل الدستور حيز التنفيذ، فانه لا بد من موافقة جميع الدول الاعضاء الخمس والعشرين.وقد وعدت احدى عشرة دولة منها بعرضه من خلال استفتاء شعبي عام على المواطنين الاوروبيين حتى يقولوا كلمتهم النهائية فيه.ومن الوارد ان ترفضه دولة او اكثر من هذه الدول لا سيما وان آخر استفتاء للرأي العام اجري في بريطانيا يوضح ان غالبية المواطنين هناك يرفضون المصادقة عليه فيما لو عرض عليهم ذلك.وبالتالي فانه في حال رفضت دولة بحجم ومكانة بريطانيا المصادقة على الدستور، فان من المؤكد ان يؤدي ذلك الى مشكلة من شأنها تعطيل مسيرة التكامل الاوروبي او توجيهها نحو وجهة لا تتوافق مع طموحات انصار الوحدة في اوروبا.


•فتور الحماس الشعبي الاوروبي نحو مزيد من التكامل الاوروبي وتراجع او ضعف القوى المحركة لعجلة الوحدة.فدول الاتحاد الاوروبي تنعم بقدر كبير من الرفاه والازدهار والسلام،ولم يعد شبح الحرب ماثلا( لا سيما بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي) ويدفعها نحو الوحدة والتكامل كما ان الامر عليه قبل نصف قرن.وقد اظهرت استطلاعات الراي (Eurobarometer) ان 43%فقط من مواطني الدول الاعضاء في الاتحاد يحتفظون بموقف ايجابي تجاه الاتحاد مقابل 21% يحتفظون بنظرة سلبية.وقد عبر نصف افراد العينة عن عدم ممانعتهم لو انهار الاتحاد بكل بساطة او اختفى.


      في ضوء ما سبق من مشاكل وتحديات باتت تواجه مستقبل الاتحاد الاوروبي وتضغط بشدة على عقول كبار المسؤولين القائمين على مؤسساته وتستثير قدراتهم نحو تطوير ميكانزمات للتكيف مع التطورات الجديدة، يبرز احتمال قوي بحدوث انفصال او شرخ في الاتحاد الاوروبي.هذا الانفصال لا يعني بالضرورة ان يكون مدويا ومؤديا الى انهيار الاتحاد وانما انفصال يؤدي الى وجود محورين او كتلتين  داخل أطر الاتحاد بحيث تتبنى كل كتلة  منها نموذجا اقتصاديا مختلفا عن الأخرى،وتسير كل منها على طريق التكامل والوحدة السياسية بوتيرة اسرع من الاخرى

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock