آخر الأخبار حياتناحياتنا

مسلسل “ذا كراون”: أنسنة الاستعمار وتنميط العربي

رشا سلامة*

تُراجِع العائلة الملكية البريطانية، ورؤساء الوزراء البريطانيون على اختلافهم، في مسلسل “ذا كراون”، الملفات الشخصية والتاريخية والسياسية جميعها، منذ عقود طوال، بدءاً من الخلافات العائلية وجدليات الحب والأسرة الحاكمة، مروراً بالملفات الاقتصادية، وعلاقة التاج البريطاني مع ويلز وإيرلندا وغيرها من أراضٍ، وليس انتهاء بالموقف من الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والتبرؤ من علاقة الملك البريطاني الأسبق إدوارد الثامن بالنظام النازي، لكن مراجعة ولو عابرة لضلوع البريطانيين في المأساة الفلسطينية المستمرة حتى اللحظة لا تجري.

المسلسل، الذي يُعرض بمواسمه الأربعة على منصة “نتفلكس”، التي صرّحت أن نسب المشاهدة له قد ارتفعت بعد وفاة الملكة إليزابيث الثانية، يسعى لأنسنة الاستعمار، مستخدماً التأطير؛ إذ يُدخِل ضمن الإطار التحديثات التي أدخلتها بريطانيا على بعض الدول في القارة الأفريقية، و”قيم التسامح والمحبة والمسؤولية” التي تتضمنها خطابات العرش البريطاني، لكنها في المقابل تُخرِج من الإطار أي صورة سلبية عن الاستعمار والمآسي التي تسبّب بها والانقسامات التي أحدثها. وحتى حين تطرّق المسلسل للعدوان الثلاثي على مصر، تم تأطير شخصية العربي وتنميطها متمثلة بالرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، الذي رُسِمت ملامحه وانفعالاته بطريقة كاريكاتيرية، وأُزيحَ من الإطار كوارث بريطانيا آنذاك من خلال النحي باللائمة على الحرس القديم في الدولة بخصوص قضية قناة السويس.

ارتكزَ المسلسل، باذخ التفاصيل والسينوغرافيا، على ثيمة أخرى هي الحب؛ لتلهية المُشاهِد عن فعائل بريطانيا سياسياً، فكانت هناك حكاية الملك المتنحي إدوارد الثامن؛ للزواج من حبيبته الأميركية واليس سمبسون، التي عارضها البلاط البريطاني لكونها امرأة أميركية مطلقة. والملك جورج السادس الذي يقبل بالتاج مُكرهاً؛ حباً لعائلته ووالدته. والملكة إليزابيث التي تصارع كثيرا من البروتوكول؛ حباً في زوجها فيليب. وفيليب الذي يقبل بكثير من التنازلات؛ حباً بزوجته إليزابيث. وشقيقة الملكة الأميرة مارغريت التي تقفز عن الأعراف وتحب موظفا في القصر الذي يمنع زواجها منه. ومن ثم الأميرة ديانا التي قاسَت مع الأمير تشارلز؛ لأنها كانت تفوقه حباً وتفانياً، فيما هو ضحية الحب كذلك؛ حين حالَ القصر دون ارتباطه بحبيبته كاميلا شاند.

إلى جانب تجميل الخطاب الاستعماري الفوقي حيال أفريقيا، وحيال مصر، وأي أراضٍ خضعت لسلطة بريطانيا، كانت هنالك محاولات دؤوبة طوال الوقت لانتزاع إعجاب المُشاهد بشخصية الملكة إليزابيث التي اعترفت بوجود ثغرات تعليمية لديها وعملت على سدّها من خلال تلقّي الدروس من جديد، مع طرح ثيمة النسوية من خلال شخصيتها وشخصية مارغريت ثاتشر تحديداً، إضافة إلى استعراض قيم الديموقراطية وصلاحيات رؤساء الوزراء والحياة الحزبية الحقيقية، والدور الكبير الذي تلعبه الصحافة في الدول الديمقراطية، ولعل المسلسل يفرد حيزاً واسعاً لهذا الدور وتفاصيله وتحديه للسلطة وممارسته دور المراقِب والناقد، والاستقبال والحماية اللذين يحظى بهما الصحافي مهما بلغ ضيق المؤسسة الرسمية من قسوة الانتقادات وفجاجتها.

يُحسَب للمسلسل أنه، وإن استفاد من صورة ديانا على البوستر، إلا أنه لم يُلهِ المشاهد بحكايتها تحديدا، وإنما حاول تتبّع مفاصل الحياة السياسية في بريطانيا والوقوف على أهم أحداثها بقدر المستطاع، مع عدم إغفال الحبكة الدرامية التي تضمن جمهوريّ السياسة والفن، على السواء.

لطالما كانت العائلة المالكة في بريطانيا مادة دسمة ليس للإعلام فحسب، بل وللفن كذلك، ولطالما كان التحدي الأبرز لدى القائمين على هذه الأعمال هو في إيجاد زاوية تناول جديدة في كل مرة، كما في فيلم “ديانا” للمخرج أوليفير هيرشبيغيل، وفيلميّ “فكتوريا وعبدول” و”الملكة” للمخرج ستيفن فريرز.

في مسلسل “ذا كراون” كانت ثيمة التاج هي الأساس، مع سعي دؤوب لتقديم عمل شامل بقدر المستطاع؛ لتغطية الجوانب السياسية البريطانية منذ العام 1947، بيد أن “نتفلكس” التي تبرع في تنميط العربي وتأطيره لعبت دورها إياه في المسلسل ليس من خلال كاريكاتيرية صورة جمال عبد الناصر فحسب، بل تصوير العالم العربي بمنظر مقزز حضارياً، والإشارة لأوطانه بأوطان البدو أو بأسماء رؤساء جدليين مثل الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، مع غضّ الطرف تماماً عن مظلمة العربي عموماً، والفلسطيني والعراقي والمصري خصوصاً، على يد الاستعمار والاحتلال وآلة الحرب.

*صحافية وأستاذة جامعية في الإعلام

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock