صحافة عبرية

نظرة على الأوهام التي يسوقها يعلون

هآرتس

شاؤول أريئيلي 30/10/2017

“خطر الخطأ القومي كان محفورا في كوننا بلادا ذات رؤيا، حيث أن الرؤيا تهدف إلى تغيير الواقع، لكن عظمة الرؤيا هي واقعيتها، التي تتمثل في أنه رغم أن الرؤيا تهدف إلى السمو على الواقع، فإن اقدامها دائما مغروسة في هذا الواقع. هذا هو الفرق بين الرؤيا والخيال الذي يحلق على أجنحة الأوهام”، هذا ما كتبه يهوشفاط هركابي في كتابه عن متسادا (1982).
لا توجد اقوال مثل اقوال موشيه يعلون أمام طلاب المعهد الديني في بيت شيمش، ما يمثل تجسيدا لكيفية أن الجهل بتاريخ الشعب اليهودي الحديث وكيفية تجاهل الواقع وضروراته بهدف أن تشكل الأوهام الواقع المأمول، هو الوصفة المجربة للانزلاق نحو الكارثة.
لقد بدأ يعلون اقواله بـ “أنا ادعي أن الحدود يرسمها تلم المحراث، والحدود يرسمها بيت الأطفال”. لا توجد اسطورة تاريخية مفندة أكثر من هذا الادعاء. من بين كل المستوطنات اليهودية في أرض إسرائيل، فقط قرية المطلة هي التي أثرت على تحديد حدود فلسطين، أرض إسرائيل الانتدابية. لقد اعتبرت قرية المطلة من قبل البريطانيين والفرنسيين “دان التاريخية”، التي تمثل صيغة التوراة لأرض إسرائيل “من دان وحتى بئر السبع”. وقد ضم إلى اراضيها ومنحها “اصبع الجليل” في الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في 1920.
اقتراحات مختلفة لتقسيم البلاد بين العرب واليهود، تم تقديمها عدة مرات عن طريق جهات مختلفة واعتبارات مختلفة في الاعوام 1922 – 1947، لكنها لم تتحقق. في قرار التقسيم أيضا في العام 1947، الذي لم يطبق، تم تضمين اعتبارات اخرى اضافة إلى توزيع السكان، مثلا في النقب، بين بئر السبع وخليج العقبة، لم تكن أي مستوطنة يهودية. ومع ذلك، تم تخصيص للدولة اليهودية لاستخدام هذه المنطقة كممر بري للبحر الاحمر من اجل التصدير إلى افريقيا وشرق آسيا.
في المقابل، حسب هذا القرار كان يجب أن يبقى ما لا يقل عن 33 مستوطنة يهودية في اراضي الدولة العربية. لأنها كانت تقع بعيدا عن مراكز الاستيطان اليهودي. بالضبط مثل المستوطنات المعزولة في الضفة الغربية، والتي لا توجد أي احتمالية لضمها إلى إسرائيل في اطار الاتفاق الدائم. القدس أيضا، التي كان يعيش فيها 100 ألف يهودي، الذين يشكلون سدس السكان اليهود في أرض إسرائيل، لم يتم شملها في الدولة اليهودية، بل في اطار جسم منفصل، بسبب أهميتها بالنسبة للديانات الثلاثة.
حدود دولة إسرائيل تم تحديدها في حروب إسرائيل وبالاساس في حرب الاستقلال. الجغرافي جدعون بيكر يصف بشكل موسع كيف أن “حرب البندقية” وليس “تلم المحراث” هي التي رسمت الحدود. خطوط الهدنة تم تحديدها وفقا لخطوط مواقع القوات في نهاية الحرب. المناطق التي تمت اضافتها إلى إسرائيل هدفت قبل كل شيء إلى خلق تواصل جغرافي منطقي وواسع بين المناطق الثلاثة التي تم تخصيصها للدولة اليهودية. وفقدان عشر مستوطنات يهودية، منها مستوطنة غوش عصيون، لم يثني بن غوريون عن انهاء الحرب والتوقيع على اتفاق الهدنة. الاستيطان في المناطق المحتلة جاء بعد الحرب.
هكذا هو الامر بالنسبة لحرب الأيام الستة. إسرائيل احتلت سيناء وهضبة الجولان، والمستوطنون جاءوا في اعقاب الجيش الإسرائيلي. عندما فضلت إسرائيل سلاما استراتيجيا مع الدولة العربية الأكبر، قامت باخلاء جميع المستوطنات في سيناء. قطاع غزة هو مثال آخر. ففي الوقت الذي ادركت فيه إسرائيل في ولاية شارون، أنها تدفع ثمنا باهظا للتمسك بالمستوطنات المعزولة في غزة، قامت بالانفصال.
“في المكان الذي ليس فيه بيت للأطفال لا يوجد جيش”. إذا أردت الاحتفاظ بأرض يجب أن يكون هناك مستوطنون”، واصل يعلون اقواله. هل حسب رأيه احتفظ الجيش الإسرائيلي بشبه جزيرة سيناء، التي مساحتها أكبر بستة أضعاف من مساحة دولة إسرائيل، فقط من اجل السبعة آلاف إسرائيلي الذين كانوا يعيشون هناك؟ ألم يقم باخلائها رغم وجودهم هناك؟ هل النقب الذي يشكل 60 في المائة من مساحة دولة إسرائيل بقي من اجل عشرات آلاف الإسرائيليين الذين يعيشون في جنوب بئر السبع؟ هل إسرائيل لم تقم باخلاء غزة وشمال السامرة رغم أنه كانت فيها مستوطنات ورياض للاطفال؟ هل لا يقوم يعلون بتحويل الجيش الإسرائيلي إلى جيش الدفاع عن المستوطنات؟.
يعلون يستمر ويقوم بتحديد السياسات: “نحن لا نستوطن فوق كل تل. يوجد مكان كاف للاستيطان في يهودا والسامرة لمليون أو مليوني شخص آخرين، ويوجد ما يكفي من الاماكن المناسبة لنا من ناحية سياسية. ونحن نقوم بذلك بسياسة متزنة”.
أولا، ليس هناك مثل غور الأردن يجسد ما هي “المنطقة المناسبة من ناحية سياسية” – من خطة الون في 1967 وحتى موقف يعلون المعروف، وهو عدم اخلاء غور الأردن في أي سيناريو. فعليا، بعد عشرين سنة من الاحتلال والاستيطان، ورغم إعلان يغئال الون عن احضار مليوني يهودي إلى منطقة غور الاردن واعلان شارون عن اسكان مليون يهودي هناك، بقيت هذه المنطقة على حالها مثلما كانت وقت احتلالها تقريبا. مجلس اقليمي صغير يعيش فيه خمسة آلاف شخص، حتى أن بعض مستوطناته فقدت في السنة الاخيرة عددا من سكانها (مثل الحمرا ويفيت وارغمان). أو أن يعلون يرى في موقع “بيت البركة” الذي اشترته جمعية أميركية يقف من ورائها المليونير الأميركي آرفن موسكوفيتش وزوجته، منطقة مناسبة من ناحية سياسية؟ هذا الموقع مساحته 40 دونما ويقع خارج غوش عصيون ويحاذي مخيم العروب للاجئين، والذي عندما كان وزيرا للأمن صادق على ضمه إلى الاراضي التي تقع تحت ولاية المجلس الاقليمي غوش عصيون.
ثانيا، من أين سيأتي المليون أو المليوني يهودي؟ حيث أن توقعات مكتب الاحصاء المركزي تفترض عدم حدوث هجرة إلى إسرائيل. هل يقصد يعلون الهجرة من داخل إسرائيل إلى الضفة الغربية؟ حيث أن المعطيات التي نشرت من مكتب الاحصاء المركزي تشير إلى انخفاض حاد في الزيادة السنوية للإسرائيليين في يهودا والسامرة، من 10.3 في المائة في 1996 إلى 3.4 في المائة في 2016، وتشير إلى التحول في مصادر الزيادة. في 1996، 68 في المائة جاءوا نتيجة الهجرة وفي 2016 انخفضت نسبة الهجرة إلى 22 في المائة. أيضا إذا تغير هذا التوجه فإنه في غياب الهجرة، فإن الأمر يتعلق بنقل “من جيب إلى جيب” وليس بسبب التكاثر الطبيعي اليهودي، وهو نقل يخلق واقعا يلزم بانشاء دولة وفقدان الرؤيا الصهيونية.
ثالثا، أين ينوي يعلون اسكانهم؟ 52 في المائة من المناطق ج هي اراض بملكية فلسطينية خاصة معترف بها من قبل إسرائيل. فهل يعتمد على “قانون التسوية” غير الديمقراطي؟ أو أنه ينوي ارسال الإسرائيليين إلى مناطق تدريب الجيش الإسرائيلي في صحراء يهودا؟.
المستوطنات في الضفة الغربية صحيح أنها تملي الحدود الشرقية لدولة إسرائيل. ولكن هذا من شأنه أن يحدث فقط في اطار الاتفاق الدائم. اتفاق على تبادل الاراضي بين إسرائيل والفلسطينيين يتعلق بالكتل المركزية القريبة من الخط الاخضر بمساحة تبلغ 4 في المئة واخلاء المستوطنات المعزولة، التي تضر بصورة كبيرة بالتواصل الجغرافي الفلسطيني وبالامكانية الكامنة للتطوير الشامل لها.
يجب التأكيد على ثلاثة امور في هذا السياق، والتي تجسد الثمن الثقيل لأوهام يعلون. أولا، تبادل الاراضي لن يضيف أي متر مربع واحد إلى مساحة دولة إسرائيل لأنها مرتبطة بنسبة تبادل 1:1. ثانيا، كلما زاد عدد هذه الكتل، فسيطلب من المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة وبيسان ولخيش التنازل عن مساحة اكبر من اراضيها، والتوقف عن كونها مستوطنات زراعية جماعية. ثالثا، خط الحدود سيتضاعف طوله بثلاثة اضعاف، من 313 كم إلى حوالي 900 كم.
وهذا يعني أن تكلفة التغيير كبيرة بدرجة لا تقاس مع الفائدة منه. مشروع الاستيطان هو المشروع العقاري الأكثر فشلا في تاريخ الصهيونية. وهو مشروع يؤدي بإسرائيل إلى الاضرار بمستقبل المستوطنات التي كانت مشاركة في اقامتها، والتي تحظى بالشرعية الدولية لصالح مستوطنات جديدة عدد منها اقيم خلافا للقانون والاحتيال والسرقة ودون أن تساهم في أمن الدولة.
إن اقوال يعلون المقطوعة عن الواقع وضروراته، ليس فيها رؤيا بل وهم خطير. وهذه الحالة والظروف لا تشبه العملية الفريدة لاقامة دولة إسرائيل. إن الحملة الانتخابية القريبة، والواقع غير الحقيقي الذي يبنيه نتنياهو وزملاؤه بشكل دائم وبتصميم، تمكن السياسيين من مواصلة اظهار عدم المسؤولية فيما يتعلق بمستقبل المجتمع الإسرائيلي ودولة إسرائيل عن طريق عدد من الشعارات التي ليس لها اساس تاريخي أو تقديرات مستقبلية ناضجة. إذا يجب الحذر من هؤلاء السياسيين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock