أفكار ومواقف

وقف التدخل في العراق أساسي لمعالجة خلافات دمشق وواشنطن

 


ركّزت واشنطن، في الآونة الأخيرة، جهداً ديبلوماسياً لافتاً لإقناع دمشق بأن عملية التطبيع معها في كلّ ملفات الخلاف تبدأ بخطوة أمنية وسياسية كبيرة فحواها قيامها بوقف عمليات تسلل مقاتلين أجانب تابعين لتنظيم القاعدة الارهابي عبر حدودها الى داخل الاراضي العراقية. يشار الى أن مسؤولين سياسيين وعسكريين، أميركيين وعراقيين، أعلنوا قبل أيام أن عمليات التسلل التي بلغت أوجها منتصف عام 2007، وعادت في الفترة الأخيرة الى الإزدياد مجدداً، هي السبب الأساس في تدهور الحالة الأمنية العراقية بعد فترة هدوء نسبية استمرت طوال عام 2008.


في الحقيقة، تبدّت ملامح الجهد الأميركي في تصريحات أدلى بها، قبل أيام، مسؤولون أميركيون في واشنطن حضّوا فيها سورية على التحرك بشكل جاد لضبط حدودها مع العراق بغية الحؤول دون انتقال موجات المقاتلين العرب من أراضيها الى داخل العراق. يشار الى أن التصريحات جاءت بعد أقل من اسبوع على قيام وفد ديبلوماسي أميركي بثاني زيارة له  خلال شهرين الى دمشق للبحث مع مسؤوليها في آفاق التطبيع والتعاون بين الدولتين. يذكر أن إدارة أوباما تحرص على إعادة السخونة الى علاقاتها مع سورية أملاً في إبعادها عن ايران من جهة، ووقف علاقاتها مع حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية من جهة ثانية. هذا، رغم أن أوباما مدّد، الاسبوع الماضي، لعام آخر عقوبات أميركية كان الرئيس السابق جورج دبليو بوش فرضها على سورية عام 2003 إثر اتهامها بالتدخل في العراق ولبنان.


معروف أن واشنطن التي تواجه قواتها في العراق وضعاً أمنياً صعباً ودموياً، تحاول إقناع دمشق بتمييز نفسها عن طهران وذلك عن طريق ضبط حدودها مع العراق وتعزيز إجراءات دخول الأجانب الى مطاراتها. ففي رأي بغداد وواشنطن أن السبب في تردي الوضع الأمني العراقي يعود الى تدخلات سورية وإيرانية. فبحسب الأميركيين تقوم الأولى بتسهيل دخول الإرهابيين من تنظيم القاعدة الى مناطق في غرب العراق، فيما تتولى الثانية مدّ المجموعات المسلحة والارهابية في بغداد وجنوب العراق بالأسلحة والذخائر القتالية المتطورة، إضافة الى توفير معسكرات وقواعد لتدريب أفرادها.


صحف أميركية بارزة أشارت، الاسبوع الماضي، الى ازدياد ظاهرة تسلل المقاتلين الأجانب الى داخل الأراضي العراقية، مؤكدة أن عدد المتسللين وصل في الاسابيع القليلة الماضية الى أكثر من عشرين شخصاً في الشهر. معروف أن تردي العلاقات بين الحكومة العراقية ومجالس الصحوات في مناطق غرب العراق أسهم بدوره في تنامي ظاهرة عودة المقاتلين الأجانب الى العراق. وكان لهذه المجالس دور أساسي في محاربة مقاتلي القاعدة وطردهم من غرب العراق خلال عامي 2007 و 2008. لكن اضطراب علاقاتها مع الحكومة العراقية خلال الأشهر القليلة الماضية أدى الى إصابة أفراد الصحوات بخيبة أمل كبيرة، ما دفع بتنظيم القاعدة الى استثماره في اتجاه محاولة العودة الى مناطقها السابقة وإعادة بناء تحالفاتها مع عشائر تنتشر في مناطق قريبة من الحدود العراقية السورية.


في الواقع، لا ترتبط مساعي واشنطن بضمان التعاون السوري في ملف الأمن العراقي بوصول أوباما الى البيت الأبيض. بل إن جذور هذه المساعي تعود الى عهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش الذي أرسل في الفترة التي أعقبت حرب حرية العراق عام 2003 وزير خارجيته كولن باول الى دمشق لحثّها على منع تسلل المقاتلين الأجانب الى العراق. لكن أوباما الذي بنى مصداقيته السياسية على دعوات الحوار والحلول الديبلوماسية، والذي يأمل في إحداث شرخ في التحالف بين ايران وسورية، سارع الى إطلاق حملته الرامية الى إقناع سورية بوقف التدخل في العراق لأسباب كثيرة بينها:


أولاً، أن القوات الأميركية  تستعد للانسحاب من العراق على مرحلتين: الأولى، الانسحاب من المدن العراقية مع نهاية شهر حزيران (يونيو) المقبل. والثانية، استكمال الانسحاب التام من كل الأراضي العراقية مع نهاية عام 2011. غير أن الأميركيين يعرفون مقدار الصعوبات العسكرية والسياسية التي ستعترض طريق سحب قواتهم في حال لم يبادروا، من ناحية، الى ترتيب الوضع الداخلي في العراق وحل معضلاته المتعلقة بالعملية السياسية. ومن ناحية أخرى، الى إقناع سورية وإيران، أو على الأقل سورية، بوقف تسهيلاتها لعبور المقاتلين الأجانب الى العراق.


ثانياً، تعرف أميركا أن وقف التدخل السوري في العراق أمر يفوق في أهميته بقية ملفات الخلاف مع دمشق، في لبنان أو الأراضي الفلسطينية، لسبب بسيط مؤداه أن العراق، على عكس لبنان أو الأراضي الفلسطينية، يمثل الجغرافية الحقيقية لالتقاء المصالح الأمنية والاستراتيجية بين ايران وسورية. هذا، في معناه الأول، يوحي بأن استمرار الضغط ضد العراق إنطلاقاً من جناحيه الشرقي (الإيراني) والغربي (السوري) قد ينتهي الى تفجير الأوضاع الداخلية في العراق بشكل لا يمكن السيطرة عليها.


ثالثاً، تعرف واشنطن أن المستهدف من تدخلات الدولتين الإيرانية والسورية في العراق هو، في المقام الأول، أفراد الجيش الأميركي، فيما المستهدف في بقية التدخلات، لبنان مثلاً، هو أطياف ومكونات غير أميركية. هنا، يمكن لوقوع الضحايا الأميركيين في العراق أن يعكس اهتزازاً على الداخل الأميركي، فيما وقوع الضحايا غير الأميركيين في بقية مناطق التدخل قد لا تكون لها انعكاسات شبيهة.


رابعاً، تعرف أميركا أن الضغط السوري والإيراني على الوجود العسكري الأميركي في العراق يمكن أن يؤدي الى إضعاف فعلي لموقف واشنطن على صعيد الشرق الأوسط نظراً لوجود القوات الأميركية بشكل مباشر في العراق، فيما لا تمتلك هذه القوات في بقية مناطق التدخل وجوداً مباشراً.


لكل هذا، يتطلع أوباما الى حل مشكلات بلاده مع سورية عبر وقف تدخلها في الشأن العراقي، لكن الأرجح أنه الصدّ السوري كبير. لا أدل على هذا من استقبال دمشق للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بعد أقل من يومين على مغادرة الوفد الأميركي الى واشنطن، في إشارة الى عدم استعدادها للابتعاد عن إيران أولا، والتخلي عن ورقة الضغط العراقية المؤثرة التي تمتلكها ثانياً.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock