أفكار ومواقف

20 عاماً من الإرهاب الشامل..!

ربما لم يشهد العالم منذ الحرب العالمية الثانية حقبة أكثر فوضوية ودموية من العشرين عاماً الأخيرة منذ 2001. وقد تحمل الناس في الشرق الأوسط عبء هذه الفترة بشكل خاص لأنهم تحولوا من موضوعات تتصارع للهيمنة عليها القوى العظمى، إلى الطرف المستدرَج إلى صراع ضد هذه القوى كندّ. وفي الحقيقة، كُنا خصماً غير متكافئ جُرّ إلى الصراع بلا اختيار، لنكون هدفاً للتنكيل من قوى الداخل والخارج.
في واحدة من أكمل تجليات تحوُّل النظرية إلى واقع، جُعِل كل مواطني المنطقة مشاركين منخرطين في «صراع حضارات» -بالتعريف الغربي- بين الإسلام (الرجعي) والغرب (الحضاري). وتم إخضاعهم جميعاً إلى تنميط اعتباطي، باعتبارهم إرهابيين أو إرهابيين محتملين معادين للحرية والتقدم. وعليه، يُفترض أن تَحسم نتيجة الصراع «الحتمي» معهم مستقبل العالم، فتكرس– بعد إلحاق الهزيمة بحضارتهم- نموذج الليبرالية الغربية- الشكل النهائي والمثالي الموصوف لـ»الرجل الأخير».
بطبيعة الحال، ليست المقدمات والكيفيات التي هيأت لظهور ما اعتُبر أيديولوجية إسلامية قتالية مناهضة للغرب الحضاري، وأدوار الغرب نفسه في صناعتها، مجهولة. فقد ارتبطت أصول الإرهاب القائم على أيديولوجية متطرفة بتشجيع الغرب وأتباعه هذه الاتجاهات، سواء بالمظالم التي لحقت بأهل المنطقة وراكمت سخطهم، أو من خلال الدعم المباشر للمتطرفين وتسهيل تجنيدهم. وإذا كان تنظيم القاعدة هو المثال الذي أسس للصورة النمطية المرعبة للإرهاب الدولية، فإن قصة تكوين هذا التنظيم في أفغانستان بالذات، والأدوار التي أنيطت به والجهات التي رعته، كلها معروفة جيداً.
كانت نقطة التوتر الحاسمة هي أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، التي حولت نظرية «صراع/ صدام الحضارات» من سيناريو نظري إلى عمل واقعي. وأصبح الصراع الذي حُدِّد على أنه يجب أن يكون بين الإسلام والغرب، عمليّة عنوانها «الحرب على الإرهاب». وبـ»الإرهاب» يُقصَد المسلمون -كمشاركين، أو كإرهابيين محتملين. وأصبحوا موضوعاً للتدقيق الأمني الكثيف والتضييق على الحركة والحذر من قدومهم إلى الغرب -أو حتى حظر دخولهم علناً أو ضمنياً.
كانت نتيجة هذه الحرب، التي يفترض أن تجنب العالم الدمار، التدمير الشامل لبلدين مباشرة – أفغانستان والعراق- وإرسالهما إلى العصور الوسطى. وأزهقت الحرب والاحتلال والصراعات المحلية الناجمة عنهما أرواح الملايين من الأبرياء، ودمرت سبل عيشهم، وجعلت حياتهم رعباً يومياً، وأقحمتهم في معارك دموية طائفية وعرقية، وعززت مشاعر الكراهية والتطرف فحسب.
وحيث لم يحدُث غزو، تدخل المتطرفون المصنوعون غربياً في أفغانستان، بتجليات متطورة وأسماء متنوعة، في الصراعات المحلية التي أثارتها الأوضاع المضطربة المتفرعة عن الصراع الكبير. وهناك، مارسوا الإرهاب على مواطنيهم، على أساس اختلاف الطائفة، أو العرق، أو الدين، أو حتى عدم التزام أبناء نفس المذهب والطائفة بالتعاليم المتزمتة. وتقاطع عمل هؤلاء مع المتدخلين الآخرين من الإقليم وخارجه، الذين وجدوا فرصة للنفوذ بتأجيج هذه الصراعات وتخريب البلدان التي هي في النهاية جزء من الحضارة المستهدفة بالإقصاء.
وفي الطريق، أججت «الحرب على الإرهاب» النزعات القومية والشوفينية في الغرب، وكراهية المهاجرين والأجانب. وصنعت استقطابات في تلك الدول نفسها وساهمت في صعود الشعبويين. وبحجة الأمن القومي، أصبحت كل دول العالم تقريباً، بما فيها أميركا، تتطفل على مواطنيها وتراقب اتصالاتهم وتتنصت عليهم. وخسر الغرب آلاف الأرواح وترليونات الدولارات. وكما يُقدّر معظم المراقبين، فقد أفقدت الحربُ الغرب– وعلى رأسه الولايات المتحدة- أخلاقيته المزعومة وكشفت زيف القيم التي يدعيها حين مارس نقيضها تماماً في الأماكن التي تدخل فيها. بل إن الحديث عن تراجع الغرب، وأميركا على رأسه، وفشل النموذج الليبرالي، أصبحت الثيمات الأبرز لمداخلات الباحثين والمعلقين في العقد الأخير. وقد تجلت الحجج التي تدعم ذلك مكثفة في الانسحاب الأخير من أفغانستان.
باختصار، تكالب إرهاب الدولة، والفاعلين من غير الدول، في شكل الغزو العسكري وهجمات المنظمات المتطرفة، وهجوم الدول على الحريات، ليصيب بشكل أو آخر معظم مواطني الكوكب في العشرين سنة المنصرمة. ولم يكن العالم أقل أمناً وأكثر وحشية مما أصبح في هذه الفترة. وتخلف «الحرب على الإرهاب» في أعقابها بلداناً مدمرة، وشعوباً يائسة ومستقبلاً غامضاً. ولم يصبح مكان في واحد في العالم أفضل وأكثر حرية مما كان عليه قبل عشرين عاماً. وتوصف النتيجة بأنها هزيمة للغرب وافتضاح لزيف قيمه وتراجع لنفوذه. ولم يكن العالم أكثر انطواءً على بواعث التطرف والإرهاب مما هو الآن.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock