أفكار ومواقف

2020.. العربة التي لم تنطلق..!

تعبِّر كاتبة غربية عن خيبة أملها في العام الآفل، فتقول ان الصورة البصرية لأرقام العام 2020، بدت أولاً مثل عجلات قطار متأهبٍ للمسير. لكنه كان قطاراً لم يُقلِع. ووصف كاتب آخر 2020 بأنه “العام الذي لم يكُن” وكأنه كان حلقة مُستلّة من سلسلة الزمن.
هذا العام الذي تصفه مجلة “تايم” بأنه “الأسوأ على الإطلاق” كان سيئاً جداً للعرب، ولو أنه انضمّ فقط إلى سياق غير منقطع من الأعوام السيئة. وفي العقدَين اللذين انقضيا من الألفية، شهدنا أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 التي سلّطت علينا الوحش الأميركي. وشهدنا احتلال العراق وما جرّه من ويلات. وشهدنا منذ 2011 أحلامنا وهي تتحطم بقسوة بعد استفاقة نادرة من خدَر طويل. شهدنا تدمير سورية، وليبيا، واليمن، واضطراب معظم دول المنطقة. وشهدنا صعود الشعبوية في الغرب ببرامج وشعارات معادية لنا. وشهدنا صعود ترامب وازدرائه المطلق –قولاً وفعلاً- للجميع هنا. وشهدنا استئساد الإقليم علينا، والمزيد من التصرفات العربية الهازمة للذات.
وكأنما لم يكن عمل الناس كافياً، شاركت الطبيعة في الهجوم على مواطني المنطقة بوباء شرس فاجأهم وهم بلا مناعة ولا دفاع. وأصبح الفقراء أكثر فقراً، والمستفردون بالقرار أكثر صلفاً وتسلطاً؛ والمصابون بكل أنواع الأمراض المزمنة -وما أكثرهم في المنطقة- أكثر ضعفاً أمام الموت.
وحمّل 2020 ذاكرة الجيل بخبرات جديدة فريدة. وأي خبرات! حظر التجول، الإغلاقات، صفارات الإنذار، التباعد الجسدي والعاطفي، خسران الوظائف، إفلاس الأعمال، الكفّ عن الطيران مادياً ومعنوياً، موت الأحبة، التوقّع المتوتر، والسكوت، والوحدة.
والباب المفضي من العام إلى العام أيضاً، عناوينه “سلالة جديدة أكثر انتشاراً من الوباء”، وتحذير من منظمة الصحة العالمية: “الأسوأ لم يأتِ بعد”. والوصية هي “التعايش” و”الانتظار”. “التعايش” يعني اعتياد العيش مع كل ما هو قاهر وعدواني من كل شيء: تكميم الأفواه حسياً ومعنوياً؛ انفراط عقد الجموع وتجنب الآخرين؛ قبول القرارات المسنودة بالقوانين الجبرية بذريعة الوباء؛ تعطيل الإرادة وتأجيل المشاريع، والمزيد من الاستهانة بعواطف الناس وحاجاتهم.
و”الانتظار”: أكبر جمهور واقعي ممكن من منتظري “غودو” المعتقلين في محطة مقفرة. لا أحد يأتي ولا شيء يصل. وآخر المُنتظَرين “لقاح كوفيد”، الذي يمكن أن يأتي فقط بعد أن يكتفي الآخرون، في مزيد من التذكير بأن آخر الطابور هو المكان الذي رُتِّب لسكان هذا الجزء من العالم؛ وبأنهم منذورون للقعود بلا عمل بينما الآخرون يعملون لأنفسهم ويتفضّلون بالفائض؛ بأن الدور الوحيد الممكن لسكان المنطقة هو إشراكهم في التجارب –كفئران تجارب.
لم تتقدّم قضية واحدة في المنطقة العربية هذا العام أيضاً. وحتى التصّور الحالم بأن “جينات” العرب مقاوِمة للفيروسات، وبأن صرامة أنظمتهم جاءت بفائدة أخيراً فأوقفت الوباء، سرعان ما انهار بطريقة مدوية. هجم الوباء – بعد أن تأخر هو الآخر- مرة واحدة وبنيّة الانتقام، وكثر المرض والموت وفضحا هذا الشكل الأخير من التطوّس الأجوف وبيع الوهم – العلامات التجارية لخطاب المنطقة.
وفي حين فُرض على الناس العاديين ارتداء أقنعة الوجوه، أزال غير العاديين عن وجوههم القناع الأخير – تماماً كما يستطيع أحدٌ أن يسير سافراً وعارياً بلا ورقة توت في شوارع خاوية سكانها لاجئون في البيوت، بحيث لا يسأله أحد عمّا يفعل. فرطت المسبحة وانحلّت الحبال، ومرّ التسليم الأخير لكرامة شعوب المنطقة بينما الناس مترنحون، عالقون في الشعور الغامر بفقدان الحيلة. (هل صحيح أن الفيروس ابتُكر لإخضاع العالَم الثالث؟ لإرغامه على الاستهلاك؟ لتجريده من آخر تحكم في الاقتصاد؟ لتصفية القضية الفلسطينية)؟
يصعب أن يفصح أحد عن تفاؤل في هذه الأوقات. الشعور المتفرد هو السخط، والسخط يلغي التفاؤل. وإذا كان ثمة فضيلة متخفية للعام السيىء، فهي مضاعفة السخط بمتوالية هندسية. وما العيب في السُّخط؟ إنهم يصنفونه في أعراض الرغبة في التغيير. وإذا كان التغيير حاضراً، حتى ولو كرغبة متململة تلحّ على صاحبها، فإنها صفارة إنذار متواصلة للمنظمومات مدّعية الاستقرار، وتذكير بأنها مرشحة فوق العادة للتحريك. هذا هو الإلماح الوحيد، البعيد، إلى تفاؤل في نهاية عام لم يكُن.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock