أفكار ومواقف

246 دينارا بعد خدمة 26 عاما

محمود الخطاطبة

صديقي إبراهيم غنيم يؤكد «أنه يتقاضى راتبا شهريا مقداره 246 دينارا، وذلك بعد خدمة امتدت لـ26 عاما، حيث كان يعمل مصورا في مديرية الإعلام في وزارة التربية والتعليم».

بحسبة بسيطة، فإن هذا الصديق يتقاضى نحو 9.5 دينار عن كل عام خدمة!.. وللقارئ أن يتخيل كم هذا المبلغ متواضع مُقابل ما قدمه من جهود وتعب طيلة أكثر من ربع قرن خدمة في ملاك القطاع العام، جلها كان في ريعان شبابه وقوته الجسدية، ليجد نفسه بعد كل ذلك يحصل على راتب شهري أقل من الحد الأدنى للأجور بمقدار 14 دينارا.

للعلم، هذا الصديق يُعيل والدة كبيرة في العُمر، رسم الزمن على وجنتيها خطوطا تدل على ضنك وكد وتعب وصعوبة في العيش، فضلا عن أنه يسكن في بيت بأجرة شهرية يبلغ مقدارها 120 دينارا، ناهيك عما يدفعه من فواتير تتعلق بالكهرباء والمياه وبدل هاتف.. قد تكون نعمة أو حكمة من رب العالمين بأن غنيم لم يتزوج، وإلا فكيف سيتمكن من تأمين قوت يومه وزوجته وأبنائه؟!.

غنيم يترك رسالة ذات شقين، الأولى موجهة إلى زملائه، ممن يعملون ضمن الفئة التي كان يعمل بها، وهي الثالثة، في كل وزارات ومؤسسات الدولة، على اختلافها، مفادها ضرورة أن لا يستمروا في «الخطأ»، الذي استمر به طيلة تلك السنوات.

وكأن لسان حال ذلك الصديق، يقول لأقرانه إياكم ثم إياكم «الاستمرار»، في عمل لا يكفي لشراء خبز وحبات من مادتي البندورة والبطاطا فقط، بلا أي نوع من اللحوم، سواء أكانت بيضاء أم حمراء، لأسرة تتكون من خمسة أفراد، وهو متوسط معدل الأسر الأردنية.

للمُتتبع، أن يتصور كيف سيكون وضع عائلة يتقاضى «ربها» دنانير لا تصل إلى الحد الأدنى للأجور، والذي يبلغ 260 دينارا شهريا.. وكيف سينظر ذلك الأب في وجوه أطفاله عندما يطلبون أشياء عادية مُتوفرة لدى الكثير من أقرانهم، ينعمون ويلهون بها.

أما الشق الثاني من رسالة غنيم، فهي موجهة إلى الحكومة، لعل وعسى أن تلقى من مسؤوليها وصانعي القرار فيها آذان صاغية، يقومون على إثرها بتصحيح مثل هذه المُعادلة، لكي، على الأقل، تُصبح معقولة مقبولة.

من الضروري تصويب ذلك الخلل، لكي لا تكون فاتورة عكس ذلك مُكلفة أمنيا واقتصاديا واجتماعيا وصحيا، في زمن يدفع فيه المواطن الأردني شهريا نحو 90 دينارا بدل فواتير كهرباء ومياه وهاتف وإنترنت، بالإضافة إلى أجرة بيت، تتراوح في المُتوسط الحسابي ما بين 150 و200 دينار.

هو غُبن أو ظُلم أو هضم حق، أن يكون هكذا تقدير أو مُكافأة موظف أبلى أحلى وأجمل وأقوى سني عمره في خدمة مؤسسة أو وزارة حُكومية، فذلك بعيد كل البُعد عن الإنسانية والعدل.

ولكي أكون مُنصفا، فإن من العدل أيضا ألا أضع المسؤولية كُلها على الدولة، فالمواطن شريك في هذه المسؤولية، حيث يلهث ويضع «واسطات» لكي يغنم بوظيفة في الفئة الثالثة، على قاعدة «قليل دائم، خير من كثير مُنقطع».

هذه دعوة إلى أولئك الموظفين كي يفكروا جيدا في مُستقبلهم وأبنائهم، فإذا كان صديقي يتقاضى في الوقت الحالي 246 دينارا، فلهم أن يتخيلوا كم قيمة هذا المبلغ الحقيقي والفعلي بعد عشرة أعوام من الآن!.

المقال السابق للكاتب

الأردن.. لا يُباع ولا يُشترى

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock