أفكار ومواقف

5 أيام في غزة

قبل أن أحمل الحقيبة وأتجه لقطاع غزة، نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2018، تلقيتُ اتصالاً ممن يَخبُرون الطريق، وقالوا هل تعرف أنّه لا يسمح بأن تُخرِج من قطاع غزة حقيبة لها عجلات، ولا يُسمح إخراج جهاز كمبيوتر، أو لوح رقمي، من أي نوع، أو عطور، أو صابون، أو..إلخ؟.  اضطررت للتخلي عن أغلب ما أحمله، وأن أجد حقيبة مختلفة، والتأكد أن كل المواد التي أحتاجها لمحاضراتي الخمس المقررة في القطاع، وأربع منها أكاديمية نظرية، أرسلتها لنفسي، عبر البريد الإلكتروني.
منحني حرماني من حمل حاسوبي الشخصي، فرصة الاقتراب من الناس في غزة، حيث جاؤوا يعرضون أجهزة حاسوبهم الشخصية، لأستخدمها.
خمس محاضرات، أعطتني أصدقاء من الحاضرين، أكثر مما نحصل عليه في عام.
حضور لقاء عام لخمسة فصائل يسارية ومعهم شخصيات أخرى، أعطتني فرصة مهمة للقاء مناضلين أصحاب تاريخ، ونقاشهم، ولكن الآن وأنا أفكر، أجد أنّ لقاءي الشباب، في النصف الأول من عشرينيات أعمارهم، من كل التيارات الفكرية والسياسية، في محاضراتي، ومرافقتهم الطرقات والشوارع التي صحبوني فيها، أعطتني أفكارا أكثر، وطاقة، تذكرني بالشباب الحيوي التوّاق للحياة والعالم، الذين تجدهم عادة في القرى والمدن الصغيرة، البعيدة عن الحواضر الكبرى، وعن السياسة الرسمية.    
جاءني شاب، صديق، أعرفه عبر وسائل التواصل الإلكتروني، لجولة ليلية، بسبب انشغالات النهار، في أزقة غزة التاريخية القديمة. كل شيء مغلق، “فقط حمّام السَمرَة التاريخي”، تنطلق منه أصوات، غناء حفل شباب، “حمام عريس”، ندخُل الحمام تفاجئني صورة خليل الوزير وياسر عرفات كبيرة في قلب الحمام، وصور شهداء عائلة الوزير، تمتلك الحمام، منذ ما قبل العام 1948.
مول (مجمع تجاري) حديث، وقهوة طيبة للغاية، وتناقض محاولة الحياة الزاهية وضغط الفقر المنتشر.
مع إشراقة اليوم الثاني لي في غزة، مشيتُ في سوق السمك، وعلى الشاطئ، أسترق السمع متعمدا للعمال ومفاوضات تحميل وبيع السمك.
 أحد الشباب من الخليل ستلفته صورة عربة شاي وقهوة، على الكورنيش، مكتوب عليها ” الموفمنبك عقدّ الحال”، في إشارة للفندق الشهير، نشرتها في حسابي على “فيسبوك”، ولن تلفته عربة مكتوب عليها “رووتس الغلابة”، فرووتس اسم مطعم وفندق محلي، فاخر بمقاييس بلد محاصر، وحصلت قصة شهيرة عام 2015، لصاحب العربة؛ حيث منعته البلدية من البيع فحدثت ضجة في القطاع حينها. ولكن السخرية لم تكن فقط في عربات الشاي والذُرَة. كانت غالبية شعارات الجدران ساخرة، بينما شعارات الفصائل الرسمية على لوحات إعلانية مُكلِفة. أحدهم خط “يا حجة بدي عروس”، أحدهم أو إحداهن، له مفهوم آخر للهجرة؛ هم لا يريدون الهجرة، بل أن يفعل غيرهم ذلك، فكتبوا: “يا رب أسماء وليندا يسافرو وما يرجعو”، و”يا رب حنين تهاجر عتركيا منشان ما ترجع”، وصاحب عربة “الموفمنبك” خط عليها: “إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا حياة لمن تنادي”.
الشباب يوضّحون الأحداث في شارع جكر (الذي كتبتُ عنه سابقا)؛ تاريخ الشارع والنشاطات فيه، وتحديداً مسيرة العودة في منطقة مَلكَة. وعلى المسرح نشيد وغناء وكلمات من كل التيارات. وفي الساحات أعلام وتحد وصمود، وبسطات تبيع المكسرات. 
كان مقررا لمحاضرتي في “منتدى بيت المقدس”، 60 دقيقة، واستمرت ثلاث ساعات مليئة بالحيوية والنقاش والاختلاف والاتفاق، ويطلب مني أحد الحاضرين، أن أصحبه للمخبز لأرى من يطلبون “شيكلا” لشراء الخبز. ثم يصرون على دعوتي لمأدبة سمك غزاوي. المطعم، السلام، أبو حصيرة، الشهير، الذي تشير اللوحة أنّه “تأسس سنة 1955 في عهد الرئيس جمال عبدالناصر”، يقدّم طعاماً رائعاً، خصوصاً طبق “زبدية السمك” الذي تشتهر به غزة، وأصدقائي يناقشون أموراً عدة، ونصل لقصص الحب، وكيف ترك أحدهم حبيبته عندما اعتقل في الانتفاضة الأولى، ويتحدث الصديق الآخر عن أهمية توثيق قصص أمهات المناضلين. ثلاث ساعات جميلة في المطعم، ولكن لم يكن هناك أي زبون على الإطلاق، سوانا، الوضع الاقتصادي واضح الأثر.      
وأنا عائد، وبعد طوابير وأجهزة التفتيش، وقد تقيدت بكل التعليمات، سأبتسم عندما يمنعون عاملا من أخذ كعكة بسمسم حملها معه، ويسألهم ماذا أفعل؟ فيقول الإسرائيلي “كُلها”، فيرجو من حوله المساهمة في أكلها لينتهي سريعاً، ويرفع أحدهم صوته “ساعدوه يا شباب”.      

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock